اعدلوا

العدل هو المساواة، هو الإنصاف، العدل هو إعطاء كل ذي حَقٍّ حقَّه، قال فيه العلماء: العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق، ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه.

  • التصنيفات: مجتمع وإصلاح -

الحمد لله رب العالمين العدل الحكيم القوى المتين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

 

أما بعد..

أيها الإخوة المؤمنون: العدل هو المساواة، هو الإنصاف، العدل هو إعطاء كل ذي حَقٍّ حقَّه، قال فيه العلماء: العدل ميزان الله الذي وضعه للخلق، ونصبه للحق، فلا تخالفه في ميزانه، ولا تعارضه في سلطانه.

 

والعدلُ في حقيقتِه -عبادَ الله- تمكينُ صاحبِ الحقِ ليأخذَ حقَّه، في ظلالٍ يكونُ الناسُ في الحقِ سواء لا تمايزَ بينَهم ولا تفاضلَ، وإنَّ أمةَ الإسلامِ هي أمةُ الحقِ والعدلِ.

 

أيها المسلمون، احترام العدل تقليدٌ تتوارثه الأمم المحترمة، وتقيم له الضمانات، وتبني له السياجات، من أجل أن يرسخ ويستقرَّ.

 

وإن الحضارات الإنسانية لا تبلغ أوج عزها، ولا ترقى إلى عز مجدها إلا حين يعلو العدل تاجها، ويتلألأ به مفرقها. تبسطه على القريب والغريب، والقوي والضعيف، والغني والفقير، والحاضر والباد.

 

العدل تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية، والعقول الحكيمة، والفطر السوية. وتمدح بادعاء القيام به ملوك الأمم وقادتها، وعظماؤها وساستها.

 

حسن العدل وحبه مستقر في الفطر، فكل نفس تنشرح لمظاهر العدل مادام بمعزلٍ عن هوى يغلبها في قضية خاصة تخصها.

 

إن أية أمة تعطلت من هذه الخلة الجليلة فلا تجد فيها إلا آفاتٍ جائحةً، وزوايا قاتلةً، وبلايا مهلكةً، وفقرًا معوزًا، وذلاً معجزًا، ثم لا تلبث بعد ذلك أن تبتلعها بلاليع العدم وتلتهمها أمهات اللَّهم.

 

العدل -أيها المسلمون- هو ميزانُ الأرض، والظلمُ والجور ما هما إلا مِعوَلَ هدمٍ وخراب لكلّ دابة تدبّ عليها. وأعظمُ المظاهر العملية للظلم هو العدوان والقهر، وأشنعُ صور العدوان وأغلظُها ما كان فيه سفكُ الدماء والإفساد في الأرض والعلو فيها وجعلُ أهلها شيَعًا، ضعيفهم نهبًا لقويِّهم على صورة صراع أهل الغاب.

 

وما من عقيدة أو نظام في هذه الأرض يكفل العدل المطلق للأعداء المناوئين كما يكفله لهم هذا الدين، لقد نزلت آيات من القرآن لتنقذ رجلاً يهوديًا من تهمة توجه إليه، مع كيد يهود للإسلام وللنبي -صلى الله عليه وسلم- وأتباع دينه بكل ما في جبلتهم من الرغبة في الشر وكراهية الخير للناس، وينصفه من رجل مسلم من قبيلة الأنصار، الأنصار الذين آووا ونصروا، وقدموا أرواحهم، وأموالهم في سبيل الله.

 

والقصة كما ترويها كتب التفاسير:

أن نفرًا من الأنصار غزوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار، فتفنن هو وقومه في إخفاء السرقة بحيث يتهم فيها أحد اليهود من أهل المدينة، وحين يقع مثل هذا الحدث في أي شعب من الأرض، وفي أي حقبة من التاريخ، فليس له نتيجة متوقعة إلا الأخذ بتلابيب ذلك الشخص الذي ينتمي إلى مثيري الشغب، والإسراع بتطبيق العقوبة المقررة عليه، إن لم يكن التنكيل به شر تنكيل؛ لأنه فوق انتمائه إلى فئة معادية للشعب قد ارتكب جريمة محددة يستحق عليها العقوبة، وحين فحص الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو القاضي ظروف القضية فقد همَّ -حسب القرائن- أن يحكم على اليهودي، ولكن الوحي يتنزل من السماء لتبرئة ذلك اليهودي من الجريمة التي لم يرتكبها، وإدانة المسلمين الذين أرادوا أن يفلت جانبهم من العقوبة، فنزل قول الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 105-109].

 

لقد كان درسًا هائلا للأمة، تبين لهم فيه أن ميزان العدل لا يمليه حب ولا بغض، ولا تمليه عصبية ولا قرابة ولا مصالح وأغراض شخصية، بل لا يميل حتى إلى جانب المشاركين له في العقيدة على حساب المخالفين لها، ولو كانوا في مجموعهم ظالمين!!

 

وبهذه المقومات كان هذا الدين العالمي خاتمة الأديان؛ لأنه الدين الذي يكفل النظام للناس جميعًا، مؤمنهم وكافرهم، أن يتمتعوا في ظله بالعدل، وأن يكون هذا العدل فريضة على معتنقيه، يتعاملون مع ربهم مهما لاقوا من الناس من بغض وشنآن.

 

ولذلك يلزم العدل في أخص التعاملات بين الناس:

الأب مع أبنائه وبناته، والأم كذلك معهم، بل يلزم العدل في التعامل حتى مع البهائم، فكيف البشر؟. صح في البخاري وغيره من حديث ابن عمر قوله: عُذِّبَت امرأةٌ في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.

 

بل إن الهرة ذاتها لتأخذ بثأرها من تلك المرأة إحقاقا للعدل، ففي مسند الإمام من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى بهم صلاة الكسوف ثم خطب، ثم قال ضمن خطبته: قد عُرِضَت عليَّ الجنة حتى لو أشاء لتعاطيت بعض أغصانها، وعُرضت علي النار حتى إني لأطفئها خشية أن تغشاكم، ورأيت فيها امرأة من حمير سوداء طوالة تُعَذَّب بهرة لها تربطها فلم تطعمها ولم تسقها ولا تدعها تأكل من خشاش الأرض، كلما أقبلت -أي المرأة- نهشتها -أي الهرة- وكلما أدبرت نهشتها.... فالعدل واجب حتى مع البهائم، وإلا فالقصاص.

 

وإن ولاة أمور المسلمين حق عليهم أن يقيموا العدل في الناس. وقد جاء في مأثور الحكم والسياسات: قول عمرو بن العاص: لا دولة إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل.

 

أيُّهَا المُسلِمُونَ، في ظِلِّ العَدلِ يَعِيشُ الإِنسَانُ آمِنًا في سِربِهِ، مُطمَئِنًّا عَلَى أَهلِهِ وَمَالِهِ، عَابِدًا رَبَّهُ في هُدُوءِ نَفسٍ وَرَاحَةِ بَالٍ، مُؤَدِّيًا شَعَائِرَ دِينِهِ بِحُرِّيَّةٍ تَامَّةٍ، يُعطِي مَا عَلَيهِ كَامِلاً، وَيَأخُذُ مَا لَهُ وَافيًا، وَمِن ثَمَّ يَشعُرُ بِانتِمَائِهِ الحَقِيقِيِّ لِمُجتَمَعِهِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ، وَفي ظِلِّ هَذَا الانتِمَاءِ يَعِيشُ المُجتَمَعُ مَتِينًا مُتَمَاسِكًا، شَدِيدًا عَلَى الأَعدَاءِ عَصِيًّا عَلَى المُتَرَبِّصِينَ، لا يَستَطِيعُ النَّيلَ مِنهُ أَحَدٌ بِسُهُولَةٍ؛ لأَنَّ كُلَّ فَردٍ فِيهِ يَعلَمُ أَنَّهُ إِنْ لم يُدَافِعْ عَن مُجتَمَعِهِ، فَإِنَّ الأَعدَاءَ سَيَسُومُونَهُ الذُّلَّ وَالهَوَانَ، وَمِن ثَمَّ يَقِفُ كُلُّهُ في مُوَاجَهَةِ أَيِّ تَجَاوُزٍ لِلنِّظَامِ أَو خُرُوجٍ عَلَى الأَحكَامِ.

 

وبالعدل تصاغ العلاقة في الدولة المسلمة بين الحاكم والمحكوم، وبه تساس الرعية، وتُحفظ حقوقُها وتُرعى كرامتُها، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء:58]، ويقول: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة:42].

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال قالَ: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل...» (رواه البخاري ومسلم). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما- قَالَ قال النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا» (رواه مسلم). وغير ذلك من الآيات والأحاديث في وجوب العدل وفضله وأثره في الأمة.

 

قال الماوردي -رحمه الله تعالى- في القواعد التي تصلُح فيها الأمة: ومنها العَدْلٌ الشَامِلٌ الذي يَدْعُو إلَى الْأُلْفَةِ، وَيَبْعَثُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتَتَعَمَّرُ بِهِ الْبِلَادُ، وَتَنْمُو بِهِ الْأَمْوَالُ، وَيَكْثُرُ مَعَهُ النَّسْلُ، وَيَأْمَنُ بِهِ السُّلْطَانُ. إلى أن قال: وَلَيْسَ شَيْءٌ أَسْرَعُ فِي خَرَابِ الْأَرْضِ، وَلَا أَفْسَدُ لِضَمَائِرِ الْخَلْقِ مِنْ الْجَوْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلَا يَنْتَهِي إلَى غَايَةٍ، وَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ قِسْطٌ مِنْ الْفَسَادِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ. اهـ. ومَن شَمَّ عفونة الفساد المالي والإداري فهِم كلام الماوردي -رحمه الله تعالى-.

 

قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: العدلُ نظامُ كُلِّ شَيءٍ، فإذا أقيم أمر الدنيا بعدلٍ قامَت. وإن لم يكن لصاحبها في لآخرة من خلاق، ومتى لم تقم بعدل لم تقم، وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام.

 

وقال ابن حزم: أفضل نعم الله تعالى على المرء أن يطبعه على العدل وحبه، وعلى الحقِّ وإيثاره خطب سعيد بن سويد بحمص، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيُّها الناس، إنَّ للإسلام حائطًا منيعًا، وبابًا وثيقًا، فحائط الإسلام الحقُّ، وبابه العدل، ولا يزال الإسلام منيعًا ما اشتدَّ السلطان، وليست شدة السلطان قتلًا بالسيف، ولا ضربًا بالسوط، ولكن قضاء بالحق وأخذًا بالعدل:

قال السعدي: فالعدل الذي أمر الله به، يشمل العدل في حقِّه، وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة؛ بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية والمركبة منهما في حقِّه وحقِّ عباده، ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كلُّ والٍ ما عليه تحت ولايته، سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، وولاية القضاء ونواب الخليفة، ونواب القاضي.

 

فَقَدْ قَالَ الْمَرْزُبَانُ لِعُمَرَ، حِينَ رَآهُ وَقَدْ نَامَ مُتَبَذِّلًا: عَدَلْت فَأَمِنْت فَنِمْت! وَلَيْسَ شَيْءٌ أَسْرَعُ فِي خَرَابِ الْأَرْضِ، وَلَا أَفْسَدُ لِضَمَائِرِ الْخَلْقِ مِنْ الْجَوْرِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَقِفُ عَلَى حَدٍّ، وَلَا يَنْتَهِي إلَى غَايَةٍ، وَلِكُلِّ جُزْءٍ مِنْهُ قِسْطٌ مِنْ الْفَسَادِ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ.

 

إن الله -تعالى- جعل نظام الكون قائما على العدل، وجعل استقرار الأرض ومتاعها معلقين بالعدل؛ فحيثما وجد العدل وجد معه الاستقرار ورغد العيش، وحيثما وجد الظلم تبعه الاضطراب واختلال الموارد، ثم فساد العيش.

 

والله -تعالى- أرسل الرسل، وأنزل القرآن، وشرع الشرائع؛ لإقامة العدل، ورفع الظلم.

 

قال الحكيم الترمذي -رحمه الله تعالى-: العدل صلاح الأرض، والجور فسادها، وبالعدل قامت السموات والأرض.

 

إن العدل أعلى قيمةٍ ربانية دعا الله -تعالى- البشر إليها، وما التوحيد إلا جزء من العدل.

 

أيها المسلمون:

إن إقامة العدل في الأرض سمة من سمات هذه الأمة، أو لازم من لوازم وجودها، ليهيئ لها القيام بدورها في قيادة البشرية وريادتها، ولكن التغلب على أهواء النفوس، والحد من نزواتها وشهواتها التي ينشأ عنها العدوان والظلم في واقع الحياة، أمر يحتاج إلى تربية وإعداد، حتى تتعود النفوس أن تخضع للحق ولا تزيغ عنه، ويتعود الناس أن يمسكوا بميزان العدل من منتصفه لا يُميلونه ذات الشمال وذات اليمين.

 

ولقد كان أصحاب رسول الله -رضوان الله عليهم- قد بلغوا الذروة في تحقيق العدل في واقع الأرض، بصورة لم تكن معهودة من قبل حتى في الأمم التي يوصف أهلها بالعدل.

 

ابتاع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فرسًا من رجل من الأعراب ودفع له ثمنه، ثم ركب فرسه ومضى به، لكنه ما كاد يبتعد بالفرس طويلاً حتى ظهر فيه عطب عاقه عن مواصلة الجري، فانثنى به عائدًا من حيث انطلق وقال للرجل: خذ فرسك فإنه معطوب! فقال الرجل: لا آخذه يا أمير المؤمنين وقد بعته منك سليمًا صحيحًا. فقال عمر: اجعل بيني وبينك حكمًا، فقال الرجل: يحكم بيننا شريح الكندي، فقال عمر: رضيت، فاحتكم عمر أمير المؤمنين وصاحب الفرس إلى شريح، فلما سمع شريح مقالة الأعرابي التفت إلى عمر وقال: هل أخذت الفرس سليمًا يا أمير المؤمنين؟! فقال عمر: نعم، فقال شريح: احتفظ بما اشتريت يا أمير المؤمنين أو رُد كما أخذت! ماذا كان موقف عمر عند ذلك؟! هل زمجر في وجهه وقال: كيف تحكم على أمير المؤمنين؟! أو شيئًا من هذا القبيل؟! كلا ولكن قال: وهل القضاء إلا هكذا؟! قول فصل، وحكم عدل.

 

وورث هذه الصفة الحميدة من ذرية عمر -رضي الله عنه- حفيده عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وسار بسيرته، وهذا شيء منها: ذكر السيوطي -رحمه الله- في تاريخ الخلفاء عن يحيى الغساني قال: لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل، قدمتها فوجدتها من أكثر البلاد سرقةً، فكتبت إليه أعلمه حال البلد وأسأله: أن آخذ الناس بالظِنَّة، وضربهم على التهمة؟ أو آخذهم بالبينة، وما جرت عليه السنة؟ فكتب إليَّ عمر أن آخذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة، فإن لم يصلحهم الحق، فلا أصلحهم الله!.

 

قال يحيى: ففعلت ذلك، فما خرجت من الموصل حتى كانت من أصلح البلاد، وأقلها سرقة! وكتب إليه بعض عماله أن مدينتهم قد خربت، وطلب منه مالاً لترميمها؛ فرد عليه أنْ حصِّنْها بالعدل، ونَقِّ طرقها من الظلم، فإنه مرمَّتها.

 

وكتب الجراح بن عبدالله إلى عمر بن عبدالعزيز:

إن أهل خراسان قومٌ ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن في ذلك. فكتب إليه عمر: أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فقد كذبت؛ بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم. والسلام.

_____________________________________________
الكاتب: الشيخ محمد كامل السيد رباح