أبى القلب إلا حبك يا أقصى

دعوني أسكب عبرتي وأخرج الآهات، فصدري يغلي كالمِرجل وعيني تسِح كالسحاب الماطر..
دعوني اليوم من ذكر زيد وعمرو، وذروني أجلس في برحة الأقصى أناجيه أناديه، أشكو أبث له همي وغمي تبثيثًا.

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -


دعوني اليوم من ذكر الرياض الزاهرة والحياض الراوية، ووجهوني شَطر المسجد الأقصى.. مرتع النفس وربيع القلب..

خلّوا بيني وبينه فقد طال علي الأمد، وأخاف أن يحُل علي الغضب!
دعوني أسكب عبرتي وأخرج الآهات، فصدري يغلي كالمِرجل وعيني تسِح كالسحاب الماطر..
دعوني اليوم من ذكر زيد وعمرو، وذروني أجلس في برحة الأقصى أناجيه أناديه، أشكو أبث له همي وغمي تبثيثًا.

إلى تلك القامة الرفيعة سأكتب بالغصن الأخضر وحِبري الزيت على ورق الزيتون..
وجهتي التي أوَلِّيها -ساعتي هذه- البلدُ الأمين، الأرضُ المباركة، مجلسُ الأنبياء والمرسلين..
فالمجد التليد مجدك يا أقصى فعلى عَتباتك صلى المصلون، وفي جنباتك دعا الداعون..
هنيئا لمن صلى فيه وقام، هنيئا لمن ركع فيه لله وسجد، هنيئا لمن يمشي فيه ويسرح يقلب بصره في شموخك وإبائك..

مريئًا لمن بذل نفسه لأجلك وجعلك بين حشاه قلبًا وروحًا، فلا ينبض قلبه إلا بذكرك ولا تجري فيه الدماء إلا برؤياك، ولا تستنشق روحه إلا ترابك الطيب، بل أنت نفَسَه الذي يعيش به، وإحساسَه الكامن بين ضلوعه..

سلام من الله عليك ورحمة منه وبركات، تحية أهديها إليك ترسلها السحاب وتزجيها الرياح، فينبت رَوْضي ويُثمر وإن كان قَفْرًا، فيا سعدي بوصلك، ويا نحسي بهجرك..

أواه يا أقصاي قد أخرجوني منك قبل أن أولد فيك، فإن جرى ذكرك حن الفؤاد وأنَّ حنينًا وأنينًا، ما زالت أمي تذكر صلاتها فيك وتقص لي قصتها معك يوم أن كانت صغيرة، تذكر هضباتك والتلال والبيَّارات المورَّدة بلون الزهور، لا تنسى هوائك الطلق ونسيمك العليل وطعامك المبارك..

بناك إبراهيم عليه السلام بيده الشريفة، وقبض مِفتاحك عمر -رضي الله عنه- فما زلت خالدًا وستبقى خالدًا حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ذهبت دول وحضارات وبقيت عزيزًا، أُبيدت ممالك وحصون ولا تعرف إلا البقاء والصمود.

صبرًا يا أقصى فالوعد قريب والنصر أقرب من حبل الوريد..
فحبل الظالم لن يطول، والشر يده قصيرة وإن الله حافظك وناصر حزبه..
ليتني أبيع بعض عمري -لو يباع- لأركع فيك ركعتين..

أقسمت لأقصاي وقدسي *** أن أجعل مقلاعي المدفع
فلْيسمعني العالم أجمـع *** لن أركع أبدًا لن أركع


سأصلي فيك رغما عن أنف اليهود، وسألِجُه رافعًا رأسي إلى علياء السماء، أهز منكبي اختيالًا لأنكأ عين الحقود سأُزمْجِر في حناياك وأجدع بيدي أنف العدو اللدود، سأهدم بيدي كل السدود، لن يطول يومك يا أقصى ليلة وضحاها، غمضة عين وانتباهتها..

سنصلي فيك وإن فاضت الدماء وتطايرت الأشلاء، الموت بين يديك أجمل المنايا، والذود عن حياضك أسمى الذود، سأصلي فيك وإن قطعوا يدي ورجلي، سأصلي فيك وإن قلعوا عيني وهشموا وجهي، فداك روحي وجسمي ومالي وأهلي، وسأمحو دنَس اليهود الغادرين بوجوههم المعفرة بالخزايا..

قلتُ: يا أقصى تمهَّلْ *** إنَّ في القدسِ صلاحْ
إنَّ في القدسِ رجالاً *** أبصروا دربَ الفلاحْ
إنَّ في القدسِ يتامى *** أنبتوا ريشَ الجناحْ
إنَّ في القدسِ جـبالاً *** راسياتٍ لا تُزاحْ
أيـقـنـوا أنَّ الـظـلامَ *** سوفَ يجلوهُ الصباحْ


يحن القلب إليك يا أقصى لا كالحنين لسلمى وسلوى..
يهفو الفؤاد إليك بل يطير شوقًا، وترنوا الأبصار إليك كأنها لا تبصر غيرك في الدنيا
كيف أُلام على حبك وقد صلى في محرابك الأنبياء وقام فيه الأتقياء
فيك أُسري الحبيب المصطفى وعرج به إلى السماء


رغم الكيد العنيد ها أنت تقف كالطود العظيم شامخًا كالجبال الرواسي عاليًا..
أما والله لن نصبر عن القدوم إليك، بل سيرسل الله إلينا طيرًا من عنده تحملنا إليك، القلوب إليك سابقة للأجساد، والأرواح لا تحوم إلا حولك.. الرحال إليك تُشد ومازلنا على الوَعْد والعَهْد..

لا أنباء اليوم تثيرني سوى نبئك ولا أخبار تستفزني غير خبرك..
هذا يومي جعلته لك وهذا قلمي جردته لمجدك، اليوم لك وكل يوم..
كيف لا تحب وقد كنت أُولى القبلتين، ووجه الناس صوبك!

رأيت وجهك الوضاء فأشرقت مهجتي، وجالَت في مَجال الهوى فأورق عودي وأزهر، وقرّت عيني ودرَّت..

ويأبى القلب إلا أن يحبك يا أقصى..

المحب لك: داود العتيبي.


 

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام