رحلة الأعمار إلى يوم التلاق

محمد سيد حسين عبد الواحد

العناصر الأساسية: 
العنصر الأول: من مواطن العظمة في الإسلام التوازن في الأمور كلها. 
العنصر الثاني: رحلة الأعمار إلى يوم التلاق. 
العنصر الثالث: العمر مهما طال لابد من دخول القبر.

  • التصنيفات: الطريق إلى الله -

 

ورد في الصحيح من حديث  عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : «" مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ "» . قَالَتْ عَائِشَةُ، إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، قَالَ : «" لَيْسَ ذَاكِ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ، وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ "» . 

أيها الإخوة الكرام: إن من مواطن العظمة في الإسلام أنه دين يتسم ب(الواقعية) فهو يؤمن بحق الإنسان في أن يعيش حياته وهو في الوقت ذاته يؤمن أن عليه أن يذكر الإنسان بيوم مماته.. 
الإسلام يوازن في حديثه بين الدنيا وبين الآخرة، ويوازن بين الحديث عن الحياة وبين الحديث عن الموت.. 
والآية العمدة في هذا الباب هي قول الله تعالى {{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}}
من وجوه الإعجاز أن الحياة ذكرت في القرآن الكريم بمشتقاتها (  145 ) مرة.. وذكر الموت في القرآن الكريم بمشتقاته ( 145  ) مرة. 
أما عن الدنيا فذكرت في القرآن (  115 ) مرة. وذكرت الآخرة في القرآن ( 115) مرة. 
قمة التوازن، وقمة الإعجاز، في هذا القرآن الذي أنزل من لدن حكيم عليم.. 

أيها الإخوة الكرام: إن أقوى مصحح لمسار الإنسان في حياته وأيامه في هذه الدنيا هو ذكر الآخرة.. 

عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : « كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ ؟ قَالَ : " أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا ". قَالَ : فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ ؟ قَالَ : " أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا، أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ "» .

إيماني بأني بعد هذا العمر الطويل سألقى الله تعالى، وسأقف حتماً بين يديه للعرض والحساب والثواب والعقاب هذا فيما أرى أقوى دافع للإنسان أن يعمل من الصالحات ما أمكنه.. 
أكد القرآن الكريم على ذلك في حديثه عن الأبرار ودافعهم إلى فعل الخيرات في سورة الإنسان: {{إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا، عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا، يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا،  إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا، فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا }}

إيماني بأني بعد هذا العمر الطويل سألقى الله تعالى، وسأقف حتماً بين يديه للسؤال والحساب والثواب والعقاب هذا فيما أرى أقوى رادع للإنسان عن وقوعه في كثير من الذنوب والآثام.. 
 عَنِ عبدالله بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « " كَانَ الْكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّينَ دِينَارًا عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا قَعَدَ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ أُرْعِدَتْ وَبَكَتْ، فَقَالَ : مَا يُبْكِيكِ ؟ أَأَكْرَهْتُكِ ؟ قَالَتْ : لَا، وَلَكِنَّهُ عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلَّا الْحَاجَةُ. فَقَالَ : تَفْعَلِينَ أَنْتِ هَذَا، وَمَا فَعَلْتِهِ، اذْهَبِي فَهِيَ لَكِ. وَقَالَ : لَا وَاللَّهِ، لَا أَعْصِي اللَّهَ بَعْدَهَا أَبَدًا. فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ "» . 

لأننا على يقين تام أن حياتنا هذه التي نحياها اليوم بأيامها، ولياليها، بصباها، بشبابها وبهرمها، هي حياة مؤقتة، وأن هذه الدنيا ليست دار مقام، ليست دار قرار، هذا يمنعنا منعاً، ويزجرنا زجراً عن الوقوع في كثير من السيئات.. 
لأن بعد فناء الدنيا وزوالها لقاءٌ بالحكم العدل سبحانه وتعالى.. 
من أجل ذلك سُمي يوم القيامة بيوم التلاق قال الله تعالى: 
{{رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ، يَوْمَ هُم بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ }}
حصر القرآن الكريم وقصر صلاح الإنسان واستقامة حياته على طاعة الله ورسوله ( فقط) على أولئك الذين يؤمنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون.. 
قال الله تعالى: {{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ، الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ }}

وفي حديث القرآن الكريم عن الملأ من بني إسرائيل تكلم عن أنه لم يثبت على إيمانه إلا أولئك الذين يؤمنون بأنهم ملاقوا ربهم.. 

{{قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}}

كل شيء يهابه الإنسان ويخافه يهرب منه فلا يدركه، إلا الموت فإن الإنسان كلما هرب منه اقترب إليه، لأن الإنسان من يوم مولده مروراً بصباه، مروراً بشبابه، مرورأ به وقد بلغ أشده، مروراً به وقد بلغ من العمر أرذله ، كل ذلك وهو في طريقه يسعى إلى نهايته، بكل لحظه تمر بحياته، ومع كل نفس يدخل أو يخرج، وعند نهاية الأجل يكون لقاء الله عز وجل..

{ {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ،  وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ،  قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}}  

تسُوقُ الإنسانَ أيامُه ولياليهُ إلى يوم التلاق، وقد سُمي يوم القيامة بيوم التلاق لأسباب منها: 
أن يوم القيامة يلتقي فيه أهل الأرض بأهل السموات ففي ساحة العرض على الله تعالى، وعلى ارض الحشر والحساب يحضر أهلُ الأرض للحساب وتتنزل الملائكة لتشهدَ ذلك اليوم كما في الآية { { كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا، وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ۚ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّىٰ لَهُ الذِّكْرَىٰ، يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي }}

سُمي يومُ القيامة بيوم التلاق لأن يوم القيامة يلتقي فيه الأولون بالآخرين.. من لدن سيدنا آدم عليه السلام إلى آخر إنسان تقوم عليه الساعة يلتقي الناس جميعاً في ذلك اليوم ويرى بعضهم بعضاً ويعرف بعضهم بعضاً ويكلم بعضهم بعضاً.. 
لذلك في حديث الشفاعة العظمى ورد أن الناس يأتون آدم عليه السلام يستشفعون به لأنه سيكون موجوداً ثم يأتون نوحاً عليه السلام لأنه سيكون موجوداً ثم يأتون إبراهيم ثم يأتون موسى ثم يأتون عيسى عليهم جميعاً السلام.. 
الناس يلقون هؤلاء الأنبياء ويعرفونهم ويكلمونهم ويستشفعون بهم لكنّ الأنبياء يعتذرون عن الشفاعة ولا يتشفعون، حتى يأتي الناس إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم لأنه سيكون موجوداً فالناس يأتونه فيسألونه الشفاعة في بدأ الحساب فيقول أنا لها أنا لها، قال عليه الصلاة والسلام فأنْطَلِقُ فأسْتَأْذِنُ علَى رَبِّي، فيُؤْذَنُ لِي، فأقُومُ بيْنَ يَدَيْهِ فأحْمَدُهُ بمَحامِدَ لا أقْدِرُ عليه الآنَ، يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ، ثُمَّ أخِرُّ له ساجِدًا، فيُقالُ لِي: يا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وسَلْ تُعْطَهْ، واشْفَعْ تُشَفَّعْ.. 

سُميَ يومُ القيامة بيوم التلاق لأن يوم القيامة يلتقي فيه المخلوق بخالقه سبحانه وتعالى فيحاسب الخالق المخلوق على شبابه فيما ابلاه وعن عمره فيما افناه واوضح آية أتت على هذا المعنى قول الله تعالى : {{إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ، وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ، يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ }}
سُمي يومُ القيامة بيوم التلاق لأن يومَ القيامة يلتقي فيه المظلوم بظالمه، كلُّ من غُصب حقه سيلتقي بمن غصبه، كلُّ من سُلب حقه سيلتقي بمن سلبه، وساعتها يُعطى كلَّ ذي حق حقه.. 
ويَردُّ من عاش حياته يَسلب ويَنهب مظالمَ الناس من حسناته وخيراته إن كانت له حسناتٍ وخيراتٍ، وإلا أُخذَ من سيئاتِ الناسِ فطُرحتْ عليه بمقدارِ المظالم.. 

أخرج أبو نعيم في حلية الأولياء : عن ابن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ـ ثم ينادي مناد ألا أن هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه. وفي لفظ: من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه فيفرح ـ والله ـ المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته ـ وإن كان صغيرا ـ ومصداق ذلك في كتاب الله: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ. 

سُمي يوم القيامة بيوم التلاق لأن يوم القيامة يلتقي فيه الإنسان بعملهِ الذي عَملهُ في دنياه 
{{وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا ، اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولا}}  
من أجل ذلك سُمي يومُ القيامة بيوم التلاق حتى يعود الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى، ويعلم ان الحياة الدنيا التي يحياها اليوم ليست هي نهاية المطاف.. 
فبعد الدنيا أخرى، وبعد الحياة موت، وبعد العمل حساب، قال عمر رضي الله عنه لو لم يكن يوم القيامة لكان غير ما ترى.. 
كنا سنرى الدنيا وكأنها غابة يأكل القوي فيها الضعيف، لكن من رحمة الله تعالى أنه جعل الدنيا دار عمل وجعل الآخرة دار حساب على ذلك العمل. 
ورحم الله من قال:  ولو أنَّا إذا مِتٍنا تُركنا لكان الموتُ راحة كل حي ولكنا إذا مِتْنا بعثنا ونُسألُ يومها عن كل شيء. 
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، وأن يجعل الموت راحة لنا من كل شر إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. 

الخطبة الثانية 
أيها الإخوة الكرام: بقي لنا في ختام الحديث أن نقول: إن سُنة الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا أنها لا تدوم، 
إِنَّما الدُنيا فَناءٌ
لَيسَ لِلدُّنيا ثُبوتُ
إِنَّما الدُنيا كَبَيتٍ
نَسَجَتهُ العَنكَبوتُ
وَلَقَد يَكفيكَ مِنها
أَيُّها الطالِبُ قوتُ
وَلَعَمري عَن قَليلٍ
كُلُّ مَن فيها يَموتُ

الحياة بمن عليها وما عليها من يوم أن خلقها الله تعالى وهي في طريقها إلى الزوال والفناء.. وإذا كان الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر، فإن العمر مهما طال لابد من دخول القبر..
أيا عبد كم يراك الله عاصيا، حريصا على الدنيا وللموت ناسيا.. 

أنسيت لقاء الله واللحد والثرى؟، ويوما عبوسا تشيب منه النواصيا.. 

ولو أن المرء لم يلبس ثيابا من التقى، تجرد عريانا ولو كان كاسيا.. 

ولو كانت  الدنيا تدوم لأهلها، لكان رسول الله حيا وباقيا.. 

ولكنها تفنى ويفنى نعيمها، وتبقى الذنوب والمعاصى والذنوب كما هي.. 

أخي الحبيب: عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به. 
أقوى أقوياء العالم عاش ما عاش ثم مات. 
أغنى أغنياء العالم عاش ما عاش ثم مات. 
أطول الناس عمراً عاش ما عاش ثم مات. 
لو ملك الإنسان ما ملك قارون يوما ما سيموت.. ولو عاش الإنسان ما عاش نوح عليه السلام يوما ما سيموت.. 
ثم ماذا؟ 
ثم عرْضٌ الله تعالى وسؤالٌ عن الفتيلِ والنقيرِ والقطميرِ : {{وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ}}
وصيتي لنفسي ولكم: أن نغتنم أيامنا وأوقاتنا في طاعة الله عز وجل، أن نتوب إلى ربنا قبل أن نموت، أن نبادر بالأعمال الصالحة قبل ان نشغل، أن نصل الذي بيننا وبين ربنا بكثرة ذكره سبحانه وتعالى، وبكثرة الصدقة في السر والعلن.. 
ثم حذار من المظالم بيننا وبين الناس.. 
لا نطمع في حقوق غيرنا، أن نكف عن الناس أذانا.. 

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك حياتنا، وأن يهدنا للصالحات أجمعين إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير. 

-------------------------------------------------------
جمع وترتيب : الشيخ / محمد سيد حسين عبد الواحد.
إمام وخطيب ومدرس أول .
إدارة أوقاف القناطر الخيرية.
مديرية أوقاف القليوبية . مصر