الإدلال بالعبادة

أبو الفرج ابن الجوزي

تأملت قوله عز وجل: { " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيْمَانِ "} ، فرأيت فيه معنى عجيباً.

  • التصنيفات: الآداب والأخلاق -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:

تأملت قوله عز وجل: { " يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لاَ تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلاَمَكُم بَلِ اللّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيْمَانِ "} ، فرأيت فيه معنى عجيباً.
وهو أنهم لما وهبت لهم العقول فتدبروا بها عيب الأصنام، وعلموا أنها لا تصلح للعبادة، فوجهوا العبادة إلى من فطر الأشياء. كانت هذه المعرفة ثمرة العقل الموهوب الذي به باينوا البهائم.
فإذا آمنوا بفعلهم الذي ندب إليه العقل الموهوب، فقد جهلوا قدر الموهوب، وغفلوا عن وهب.
وأي شيء لهم في الثمرة والشجرة ليست ملكاً لهم ؟.
فعلى هذا كل متعبد ومجتهد في علم إنما رأى بنور اليقظة، وقوة الفهم والعقل صواباً، فوقع على المطلوب، فينبغي أن يوجه الشكر إلى من بعث له في ظلام الطبع القبس.
ومن هذا الفن حديث الثلاثة الذين دخلوا الغار، فانحطت عليهم صخرة فسدت باب الغار، فقالوا: تعالوا نتوسل بصالح أعمالنا، فقال كل منهم: فعلت كذا وكذا. وهؤلاء إن كانوا لاحظوا نعمة الواهب للعصمة عن الخطأ فتوسلوا بإنعامه عليهم الذي أوجب تخصيصهم بتلك النعمة عن أبناء جنسهم، فبه توسلوا إليه.
وإن كانوا لاحظوا أفعالهم، فلمحوا جزاءها ظناً منهم أنهم هم الذين فعلوا، فهم أهل غيبة لا حضور ويكون جواب مسألتهم لقطع مننهم الدائمة.
ومثل هذا رؤية المتقي تقواه حتى إنه يرى أنه أفضل من كثير من الخلق.
وربما احتقر أهل المعاصي وتشمخ عليهم. وهذه غفلة عن طريق السلوك، وربما أخرجت.
ولا أقول لك خالط الفساق احتقاراً لنفسك، بل اغضب عليهم في الباطن وأعرض عنهم في الظاهر ثم تلمح جريان الأقدار عليهم فأكثرهم لا يعرف لمن عصى ؟.
وجمهورهم لا يقصد العصيان، بل يريد موافقة هواه، وعزيز عليه أن يعصى.
وفيهم من غلب عليه تلمح العفو والحلم فاحتقر ما يأتي لقوة يقينه بالعفو.
وهذه كلها ليست باعتذار لهم، ولكن تلمحه أنت يا صاحب التقوى، واعلم أن الحجة عليك أوفى من الحجة عليهم، لأنك تعرف من تعصي، وتعلم ما تأتي.
بل انظر إلى تقليب القلوب بين إصبعين فربما دارت الدائرة فصرت المنقطع، ووصل المقطوع.
فالعجب ممن يدل بخير علمه، وينسى من أنعم ووفق.