عبدُالعادة و عبدُالموضة

منصور بن محمد المقرن

هناك مَن يُطالب بحرية التعبير، أو حُرِّية التجارة، أو الحرية السياسية، بينما هو نفسه أسيرُ عادةٍ لا يستطيع الفكاك من أسرها، أو عبدُ موضةٍ و(هبّة) لا يستطيع مخالفتها!، ولك أن تجول ببصرك لترى شباباً اعتادوا أن يقفوا كلَّ يوم في صَفٍ طويلٍ ليشتروا كوباً من القهوة أو وجبةَ طعام، وترى آخرين يترقبون نزول جهاز (جوّال) ليشتروه، وتجد فتياتٍ يتابعن بشغفٍ نزولَ أي لباسٍ جديد يوافق (الموضة) ليتنافسن في شرائه، وتسمع عن أمهاتٍ يبتكرن متطلبات جديدة لحفلات زواج بناتهن. كل أولئك وأمثالهم كثير، لا يَقوَون على مخالفةِ موضةٍ، ولا يستطيعون تركَ عادةٍ مهما كلّفهم ذلك من مال ٍوجهدٍ ووقت، بل حتى لو أضرَّ بدينهم ومروءتهم.

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -

 

هناك مَن يُطالب بحرية التعبير، أو حُرِّية التجارة، أو الحرية السياسية، بينما هو نفسه أسيرُ عادةٍ لا يستطيع الفكاك من أسرها، أو عبدُ موضةٍ و(هبّة) لا يستطيع مخالفتها!، ولك أن تجول ببصرك لترى شباباً اعتادوا أن يقفوا كلَّ يوم في صَفٍ طويلٍ ليشتروا كوباً من القهوة أو وجبةَ طعام، وترى آخرين يترقبون نزول جهاز (جوّال) ليشتروه، وتجد فتياتٍ يتابعن بشغفٍ نزولَ أي لباسٍ جديد يوافق (الموضة) ليتنافسن في شرائه، وتسمع عن أمهاتٍ يبتكرن متطلبات جديدة لحفلات زواج بناتهن. كل أولئك وأمثالهم كثير، لا يَقوَون على مخالفةِ موضةٍ، ولا يستطيعون تركَ عادةٍ مهما كلّفهم ذلك من مال ٍوجهدٍ ووقت، بل حتى لو أضرَّ بدينهم ومروءتهم.

هؤلاء، ولدتهم أمهاتهم أحراراً، ثم كبَّلوا أنفسهم بسلاسل العادات الجديدة، وقد كانوا سادَة على أنفسهم، ثم قيّدوا إرادتهم بقيود الموضات والصرعات، وصدق الحسن البصري حين قال: "الدنيا كثيرة الاشتغال، لا يفتح رجلٌ على نفسه بابَ شُغلٍ، إلا أوشك ذلك البابُ أن يفتح عليه عشرة أبواب".

وهؤلاء، كلما رأوا إعلاناً لسلعة اشتروها، وكلما امتدح (مشهور) طعاماً طلبوه، وكلما ظهرت موضة سارعوا إليها! وهم بهذه التبعية قد أزدروا أنفسهم وانتقصوها، ويحسبون أنهم أحرار، بينما هم عبيدٌ لموضةٍ وعادةٍ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم  : «(تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعبدُ الدِّرْهَمِ، وَعبدُ الْخَمِيصَةِ، وَعبدُ الْقَطِيفَةِ)» رواه البخاري، و"الْخَمِيصَةُ " نوع من الملابس، و"الْقَطِيفَةُ" نوع من الأثاث أو اللباس. وأصرح من ذلك وأشدّ قول الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، قيل: "أي أطاع هواه طاعةً كطاعةِ الله"، وقيل: "أي مهما استحسن من شيء، ورآه حسناً في هوى نفسه، كان دينه ومذهبه".

لم يأتِ الإسلامُ ليُحرّر الناسَ من عبوديتهم لعبادٍ مثلِهم، ويذَرَ تحريرَهم من أفكارِ أولئك العباد ومنتجاتهم وعاداتهم. بل ربّى الإسلامُ أهلَه على أن تكون عبوديتهم لله وحده، وعلى الإعتزاز بهويتهم، وأن يكونوا على الحق متبوعين لا تابعين {﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾} ، وقد حذّر السلف من ذوبان الشخصية، والهشاشة النفسية، وتقليد الناس مهما صنعوا، قال ابن مسعود : (لا تكونوا إمَّعَة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنّا، وإن ظلموا ظلمنا)، وقسّم عليٌ بن أبي طالب t الناس إلى ثلاثة أقسام، وذكر منهم: "هَمَجٌ رعاعٌ، أتباع كل ناعق"، وقال الإمام أحمد: "لا يكونن أحدكم إمَّعَه. قيل: وما الإمعة؟ قال: الذي يقول أنا مع الناس"، وقال الفضيل: "إيّاك وطريق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين". كما حفلت الكتب بأقوالٍ وحِكمٍ تدعو الإنسان ألاّ يكون عبداً لطمعٍ أو عادة، فمنها قولهم: "الحرُ عبدٌ ما طمع، والعبدُ حرٌ ما قنع"، وقولهم: "إن العادة تبدأ خادمة، وتنتهي سيّدة"، وورد أن الإنسان يمكن أن يكون عبداً وأسيراً ولو ملك المال والسلطان، فقيل: "من لم يملك نفسه أمام المألوف والمحبوب، لم يذق طعم الحرية ولو ملك الدنيا"، بل ذكر أفلاطون أن الإنسان الـمُتّبِع لعادته يعيش أسوأ أنواع العبودية، فقال: "أشد أنواع العبودية أن يكون الإنسان عبدًا لعاداته."

فما أسوأ أن ترى الرجلَ أو المرأةَ وقد منحهما اللهُ العقلَ والإرادةَ، أسرى وعبيداً لمطامعهم وشهواتهم:

أَطَعتُ مَطامِعي فَاِستَعبَدَتني ***** وَلَو أَنّي قَنِعتُ لَكُنتُ حُرّا

وما أجمل أن يكبح الإنسان مطامعَ نفسِه فلا يعطيها كل ما تهوى وتشتهي، رأى عمر ابن الخطاب t رجلاً ومعه لحم، فقال له: ما هذا؟ قال اشتهيتُ لحماً فاشتريتُه. فقال عمر: "أوكلما اشتهيتَ اشتريت؟!".

وما النفسُ إلا حيث يجعلها الفتى ***** فإن أُطمعت تاقت وإلا تسلّت

ومن أنفع الطرق للتحرر من عبودية العادة والموضة: مجاهدة النفس، وضبط شهوات البطن، وإلجام الطمع بلجام القناعة، فقد قيل: "مجاهدة النفس أصلُ كل خير، ومن ملكها ملك الدين والدنيا"، وقيل: "من ضبط لسانه وبطنه ووقته، نجا من أكثر عادات السوء". وفوق ذلك كله: التعلّق بالله تعالى، وأن تكون الآخرة همّه، لها يسعى، ولها يعيش.   

ختاماً .. فمَن كان أسيراً لفنجانِ قهوةٍ، وعبداً لشهوةِ لُقمةٍ، وكلِ صيحةٍ وموضةٍ، هل سيصمد أمام إغراءٍ رخيص، ودعوةٍ آثمة، ومساومةٍ على دينٍ وخُلُق؟.

كتبه/ منصور بن محمد الـمقرن