السؤال الأهم في واقعنا المعاصر!

محمد جلال القصاص

السؤال الأهم: لماذا لم تستطع الجماعات حسم الصراع مع المخالف؟ وهل من وسيلة أخرى غير الجماعات نستعيد بها صياغة الحياة على مراد الله في خلقه؟!

  • التصنيفات: الواقع المعاصر -

 

{بسم الله الرحمن الرحيم}
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

أغاث الله البشرية بما أرسل به محمدًا ﷺ، فكان الرسالة روحًا دبت في العرب ومَن أجاب داعي الله، {﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾} (الزخرف: 53). {﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾} (آل عمران:164).
 ظهرت هذه الروح الجديدة في الفرد فأعادت صياغته من جديد.. عرفته بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وما له من أسماء حسنى وصفات عليا، وماذا يريد منه في الدنيا، وماذا أعد له في الآخرة إن آمن أو كفر.             
وحين علم عن الله ومراد الله منه تغير الفرد فأصبح يَصْدُق الحديث، ويَصل الرحم، ويُكرم الجار، ويتقي المحارم، ويُعْمِل الفكر (التأمل/ التدبر/ التعقل) في كل ما يَرد عليه، ويتقن العمل.. أصبح مسكونًا بمراقبة الله، وأصبح سعيَه في ابتغاء فضلٍ من الله ورضوان
{ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾} (محمد:29).. أصبح موصولًا بالله وحده يتصرف بما في داخله من مراقبة لله، وسعي لتنفيذ مراد الله منه، وإن أُشكِل عليه أمرٌ سأل أهل العلم.

ومكنت الشريعةُ الأفراد من الأرض وما فيها، فنادت في الناس "من أحيا أرضًا فهي له"، و"من سبق إلى من لا يسبق إليه مسلم فهو له"، وجعلتهم شركاء في أساسيات الحياة (الماء، والكلأ، والنار)؛ وحثتهم على السعي في الأرض ﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (سورة الملك: من الآية67 )، {﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾} (سورة الجمعة: آية 10)، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ وأَمرت بإكرام ابن السبيل وقَسَمَت له من المال العام والخاص، والهدف هو تأمين الطريق ليتدفق الناس بأشخاصهم وأشيائهم، آمنين مطمئنين، ولا يتجمعون في أماكن محددة، وبالتالي ينتشر العمران وينتفع الناس بما قدر الله فيها من أقوات مباركة، ويتقون (بتفرقهم وتمكنهم من الأرض وما فيها وما عليها) تسلط الظالمين عليهم كما هو حادث في المدن الكبرى الآن؛ بل جعلت للناس رقابة على "ولاة أمورهم" والكل- في كل أحواله- تحت مظلة الشريعة.

مكنت الناس وقللت من صلاحيات "ولاة الأمر" إلى أقصى ما عرفته البشرية في تاريخها. فكانت الدولة دولة الناس، والسلطة تحكم بين الناس لا أنها تحكم الناس[1].

كان نمطًا جديدًا في كل شيء. وانتشر المسلمون في نواحيها، واشتدوا في كل مناحي الحياة، فمكنهم الله في الأرض. وبعد أن استقروا ظهرت التخصصية في العلوم الشرعية، ثم ظهرت تخصصية وتطوير للعلوم الطبيعة حين احتاجوا إليها.. كان تعاطيهم بحاجتهم (أو لحاجتهم) ولا ترف.. الجهد الفائض في العبادة وتعبيد الناس لله.
 وعلى يد علماء الإسلام ظهر التصنيع.. أو بدأت مقدمات عصر الصناعة. ثم تأخر المسلمون وتقدم غيرهم. فدخلت الأوربيون عصر الصناعة ودخل المسلمون حالة من الضعف في شتى المجالات، تلاها استيلاء الغرب على بلاد المسلمين بدعوى "تعميرها"، فنهب ما استطاع من خير ونقله لبلده.. يضعفنا ويستقوي علينا، وقدّم رؤية جديدة للشريعة (الأحكام) وللسيرة (حياة الرسول ﷺ
 والراشدين) وللتاريخ الإسلامي (التطبيق العملي للشريعة من المؤمنين بها: علماء وأمراء وعامة)؛ وتحدث برؤيته هذه من خلال النصارى (المستشرقين) ابتداءً، ثم من خلال من السمّاعين لهم (أرباب المذاهب الاستشراقية)، ثم غيّر – بأدواته الثقافية والعسكرية والاقتصادية والسياسية،،،- واقع المسلمين وفقًا لهذه الرؤية؛ وقسّم الأمة إلى أقسام (دول) صغيرة ليستقر الضعف ويستقر الدين (الثقافة) الاستعمارية الجديدة، فانحدر الناس خلف المحتل، وأصبح السؤال الأكبر الذي يحاول عامة المثقفين الإجابة عليه هو: لماذا تخلفنا عن الغرب؟ وكيف نتقدم كما تقدموا؟!([2]).

وفار الدم في رأس الشباب، من حال الأمة وما هي فيه من الهوان والتبعية لغير المسلمين، وخاصة مع سقوط الخلافة، واشتعل العزم، وسارع الشباب إلى أحد أشهر النماذج فاعلية في التغيير في واقعهم، وهي الجماعة – منظمة وشبه منظمة-؛ أخذوا أقرب أداة للتغيير ظنًا منهم أن الأدوات بلا عقل، وأن الأدوات تعمل وفقًا لمن يستخدمها لا وفقًا لمن أنتجها، فتراجعت قيادة العلماء الربانيين للتجديد، وظهر الحركيون، وظهرت الجماهير كفاعل مستقل له مطالبه الخاصة، وظهرت السلطة الجديدة (الدولة الحديثة)، بأدوات جديدة (المؤسسات، والسياقات الاجتماعية الجديدة) وصلاحيات تكاد تكون مطلقة، فكان سياقًا جديدًا على الأمة تدافع فيه المخلصون- أصابوا أم أخطؤوا- بما هو متاح في أيديهم، فكان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده؛ وكان رشيد رضا، وحسن البنا، وخطاب السبكي وحامد الفقي؛ وكان سيد قطب وعبد الله عزام؛ ثم داعش وأخواتها.. أجيال متعاقبة تحاول الإحياء من خلال صيغة الجماعة (المنظمة وشبه المنظمة)، ولم تفلح جماعة في تحقيق التمكين للشريعة في واقع الناس.. لم تستطع جماعة رد المحتل بمن تبعه، تحركت الجماعات في مساحة محدودة، صعودًا وهبوطًا، ولم تستطع أيًا منها حسم الصراع مع المخالفين لها في الداخل والخارج. فكان السؤال الأهم: لماذا لم تستطع الجماعات حسم الصراع مع المخالف؟ وهل من وسيلة أخرى غير الجماعات نستعيد بها صياغة الحياة على مراد الله في خلقه؟!

د. محمد جلال القصاص

 

 

[1] ذكر برنارد لويس في أحد حواراته المنشورة أن أكبر خليفة مسلم لم يكن يمتلك صلاحيات مثل أصغر ديكتاتور اليوم.

([2] التقدم في حس عامة من يتحدثون عنه لا يعني سوى التقدم التقني الذي عليه الغرب، ويرون أن التخلي عن الدين في المجال العام من ضرورات ذلك!! 

===========
اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب كل عملٍ يقربنا إلى حبك. لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.