نِصفُ الوعي آفة
فيصل بن علي البعداني
إن فقه الواقع، وبصيرة الداعية بما يحيط به من أحوال الناس، من صميم متطلبات الدعوة، ومن أعظم ضرورات الإصلاح، وهو الأساس الذي تُبنى عليه سلامة السير وصواب الحركة
- التصنيفات: تزكية النفس -
إن فقه الواقع، وبصيرة الداعية بما يحيط به من أحوال الناس، من صميم متطلبات الدعوة، ومن أعظم ضرورات الإصلاح، وهو الأساس الذي تُبنى عليه سلامة السير وصواب الحركة؛ فبه تُعرَف مواطن القوة والضعف، وتُستَكشف الفرص والتهديدات، وعلى ضوئه تُرتَّب الأولويات، وتُرسَم الخطط، وتُحدَّد احتياجات المرحلة، وتُنتقى الأساليب الأقدر على مخاطبتها والتعامل معها.
وبه يدرك المصلح طبيعة من حوله، ومن هو معه، ومن هو ضده، ومن تتقلب مواقفه بين الموالاة والمعارضة تبعًا للزمان والظرف، ومن يقف على الحياد لا له ولا عليه.
وهذا الفهم الدقيق يعين على حسن تنزيل الأحكام، ويُكسب الرشد في تقدير المواقف، ويرشد إلى رسم استراتيجية التعامل الأمثل مع كل فئة؛ فيعرف المرء متى يُقدِم ومتى يُحجِم، ومتى يُلين ومتى يُشدِّد، ومتى يتدرج في المعالجة، ومتى لا يقبل أنصاف الحلول.
وثمرات الوعي الحق فوق أن تُحصَر، غير أن الوعي ليس كله نافعًا، بل إن بعضه أشد خطرًا من الجهل المحض. وقديمًا قيل: ربَّ جهلٍ أنفعُ من نصف علم؛ ذلك أن الجاهل إذا أدرك جهله سأل وتعلّم، وتوقف عن البيان حتى يكتمل له الفهم، أما صاحب نصف العلم، فإنه إذا لم يُدرِك أن ما عنده ليس إلا شطر صورة المسألة، وإذا لم يعلم بأن وراءه بقيةً من الفقه لا غنى عنها، ثم تصدّر للتعليم، وخاض في المسائل، وركب صهوة التوجيه وكراسي التأثير مغترًّا بما عَلِم، فإنه لا يكون إلا أداة تجهيل وتلبيس، ومفتاح شر، وبوابة هدم وضرر.
وفي سياق الحديث عن الوعي، فإن نصف الوعي الذي لا يعي صاحبه نقصه سبيل فتنة، وأحد قواطع الطريق على أهل الفقه المحيط بالواقع، وذريعة من ذرائع التضليل، ومصدر من مصادر تغفيل المجتمع؛ إذ تتحول أنصاف الفهوم إلى وعيٍ موهوم، وتُلبَس التصورات الجزئية لباس الاكتمال، فيختلط الفقه بالجهل، والصدق بالوهم، والحكمة بالاندفاع أو التواني.
ومن تأمل مشهدنا الدعوي اليوم، رأى أن كثيرًا ممن يتحدثون في فقه الواقع لم يكتمل تأهيلهم بعد، وممن تزبَّب قبل أن يتحصَّرم، وتصدّر قبل أوان نضجه. وإذا كان لا يصح أخذ فقه الشرع عن أنصاف المتعلمين، فإنه كذلك لا يجوز أخذ تصور الواقع، ولا تحليل أحداثه، عن من لم يُحِط به خبرًا، ولم يستوعب تشابكاته وتعقيداته، ولم يُدرِك سننه وسياقاته إدراكًا مكتملًا.
وهذا يوجب على طالب الوعي، والداعية، والمصلح، أن يجتهد غاية الاجتهاد في تحرّي من يبني وعيه من خلاله في كل مسألة ونازلة؛ فإن من يُحسن التلقي عنه في باب، ليس بالضرورة مؤهلًا للإفادة في كل باب، ولا محيطًا بكل مجال. فالتبعيض الواعي في التلقي وعي وعين الحكمة والصواب، والتحري فيه واجب في حكم الشرع والعقل، والتلقي عن المتعالمين أدعياء الوعي خطرٌ وآفة لا تقل عن خطر الجهل الصريح.
وختامًا، فالوعي مسؤولية، والتوعية أمانة، والتعالم شر، والتصدّر بغير اكتمال تأهُّل خيانة، وإن حسنت النيات وصلحت المقاصد.
والله الهادي.
