جنازة الإدراك
إن مقدار الشعور بآلام الناس جزءٌ من إنسانيتنا، لكن الإفراط فيه يعطّل أرواحنا، ويُثقل أقدامنا، ويكبّل هممنا. وتضخيم هذا الشعور يحوّلنا إلى أرضٍ مثقلة، يحمل حزنُها أوزارًا من الوجع، وتتعطّل معها حركة الإصلاح الممكن.
- التصنيفات: - آفاق الشريعة -
العقلُ الإيمانيّ يفرّق بين الهموم النافعة والهموم المتشعّبة؛ فدوائرُ اهتمامنا لا يليق بها أن تفيض فوق دوائر تأثيرنا، وإلا امتلأت قلوبُنا بانشغالٍ لا نملك له حيلة، وغفلت عمّا جعله الله تحت طاقتنا ووسعنا. ودوائر الاهتمام إذا تمدّدت فوق مقاس أرواحنا انقلبت إلى دخانٍ روحيّ يخنق بصائرنا؛ فننشغل بهوامش محترقة، وتفوتنا لُبابات التكليف التي وضعها الله في أيدينا.
نحمل همّ الأمة، ونُبقي له موضعًا في وجداننا، لكنّنا نصون قوّة قلوبنا لما نستطيع تغييره؛ فالله يكتب الأجر على الهمّ الصادق، لكنه يسأل عن التقصير في الممكن.
وما جدوى الارتحال الذهنيّ في همومٍ بعيدة، بينما عند طرف الثّمام منا شُعَبُ إيمانٍ مهجورة تنتظر من ينفخ فيها مصابيح الفعل؟ إن مقدار الشعور بآلام الناس جزءٌ من إنسانيتنا، لكن الإفراط فيه يعطّل أرواحنا، ويُثقل أقدامنا، ويكبّل هممنا. وتضخيم هذا الشعور يحوّلنا إلى أرضٍ مثقلة، يحمل حزنُها أوزارًا من الوجع، وتتعطّل معها حركة الإصلاح الممكن.
ولعلّ من حكمة الله أنّه طوى عن أسماعنا أصوات الراحلين؛ فالمتأمّل يدرك أنّ السماع المباشر للمآسي يستهلك النفوس، ويترك العقول في ذهولٍ شاحب، ويعطّل وظائف القلوب التي خُلقت لأجل ساحات العمل لا دهاليز الحسرة.
____________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء
