وما قدروا اللهَ حقَّ قدرِه

كثيرٌ من الخلل الذي نراه في القلوب والسلوك، والجرأة على المعصية، والفتور عن الطاعة، لا يرجع إلى جهلٍ بالحكم، ولا غموضٍ في الطريق، إنما يرجع إلى أصلٍ واحدٍ مختل: أن الله لم يأخذ قدره الحقيقي في القلب!

  • التصنيفات: التقوى وحب الله -

كثيرٌ من الخلل الذي نراه في القلوب والسلوك، وكثيرٌ من الجرأة على المعصية، وكثيرٌ من الفتور عن الطاعة، لا يرجع إلى جهلٍ بالحكم، ولا إلى غموضٍ في الطريق، إنما يرجع إلى أصلٍ واحدٍ مختل: أن الله لم يأخذ قدره الحقيقي في القلب! فلو عُظِّم الله كما ينبغي، لاستحيا العبد أن يخالفَه، ولهابَ أن يعصيه، ولارتعد قلبه قبل أن تمتد يده إلى ما يغضبه.

قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ} أي: ما عظَّموه حق التعظيم، ولا عرفوه حق المعرفة، ولا استقرَّت هيبتًه في قلوبهم كما يليق بجلاله وكماله، فالتقدير هنا ليس تقدير عقلٍ فقط، بل تقدير قلبٍ وسلوكٍ وموقف، أن يظهر أثر هذا التقدير في الخلوة قبل الجلوة، وفي السر قبل العلن.

وتأمَّل كيف يُكمِّل القرآن المعنى، فيربط ضعف التعظيم بضعف المعرفة بالله، فيقول بعدها: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} كأن الآية تقول لك: كيف يُجترَأ على مَن الأرضُ كلها في قبضته؟ وكيف يُستهان بأمر من تطوى السماوات بيمينه؟ وكيف يُعصى من هذا وصف قدرته وسلطانه؟

مشكلة كثير من القلوب اليوم أنها تعرف عن الله، لكنها لا تعرف الله، تسمع الأسماء، وتقرأ الصفات، لكن دون أن تنزل إلى القلب نزول الهيبة والتعظيم، فيتحول الإيمان إلى معلومات، والعبودية إلى عادات، والطاعة إلى صور بلا روح، وهنا يكون الخلل: ليس في كثرة الذنوب وحدها، بل في قلَّة التعظيم الذي يمنع الذنب قبل وقوعه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمةً تقطع أصل الغفلة من القلب، حين قال:
«لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا»

ولو أن القلب قدَّر الله حق قدره؛ لانكسر بين يديه، ولما رأى لنفسه حولًا ولا قوة، ولما اعترض على حكمه، ولا سخط على قضائه، ولا استهان بأمرٍ أو نهي، فالتعظيم الحقيقي يثمر خضوعًا، ويورث خشية، ويُنشئ مراقبة، ويمنع الجرأة.

ومن رحمة الله أن كشف لنا هذا الداء بكلمة واحدة جامعة: {وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِه} ليجعلها مرآة للمحاسبة والمراجعة، ونطرح الأسئلة على أنفسنا: كيف أتعامل مع أوامره؟ كيف أتعامل مع نواهيه؟ كيف يكون حالي في الخلوات؟ هل أقدِّم رضاه على هوى نفسي؟ هل يظهر تعظيمه في اختياراتي، وصمتي، وكلامي، ونظري، وخطواتي؟

فانتبه، وراجع قلبك، وأدِّب نفسك على قدر من هو ربك.