الجماعة والعمل الجماعي في الإسلام
محمد جلال القصاص
يخيّلُ لبعضهم أن رفض الجماعة هو رفض للعمل الجماعي كليةً، وكأن العمل الجماعي لا يكون إلا من خلال الجماعة المعاصرة!!
- التصنيفات: مجتمع وإصلاح -
بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله
يخيّلُ لبعضهم أن رفض الجماعة هو رفض للعمل الجماعي كليةً، وكأن العمل الجماعي لا يكون إلا من خلال الجماعة المعاصرة!!
والحقيقة التي يشاهدها الجميع أن العمل الجماعي من ضروريات الحياة البشرية.. الحقيقة أن العمل الجماعي قائم في جميع مظاهر الحياة، فنحن نصلي الفروض الخمسة جماعة، ونحج جماعة، ونجاهد جماعة، ونرعى المسكين والفقراء بعمل جماعي (الوقف). بل إن الفرد المسلم لا يتواجد منفردًا مطلقًا، فدائمًا الفرد المسلم مع غيره (أسرة: أب وأم وإخوة)، ومرتبط مع الجيران بتكاليف شرعية ووصايا نبوية، وإن تحرك لقضاء حاجة فثمة توصية من الله بحسن التعامل (الجوار) على من يمر بهم أو يمرون به، وهكذا، فالسياق العام في الشريعة هو تجميع الناس أو تكثير روابط التجمع.. أو التعاون على البر والتقوى كما وصفه العليم الخبير في كتابه: {﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب﴾} (المائدة: من الآية2)؛
وهنا ملاحظتان:
الأولى: أن كل عمل يُسند لأهله.. من يتقنونه. يفهم هذا من ذم إسناد الأمر لغير أهله، ويفهم أكثر من الحث على إتقان العمل "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه"( )، فالإتقان مقصود لذاته، يدل على هذا ما جاء في الحديث من الحث على تسوية القبر، يقولﷺ: "أمَا إنّ هذا لا ينفع الميت ولا يضره، ولكن الله يحب من العامل إذا عمل أن يحسن".
والثانية: أن طلب الإتقان يستلزم المكوث في العمل فترة، ويثمر أشياء من أهمها: الفرز الاجتماعي تبعًا للفعل (اجتماع المختصين). فتجد أن الصلاة كعمل أُمرنا به، وأمرنا بإتقانه (إقامته كما ينبغي) يتجمع لها أهلها خمس مرات كل يوم، وبالوقت يصبح أهل الصلاة جماعة.. يَعرف بعضهم بعضًا ويؤدون وظيفة في المجتمع بالتعاون مع بعضهم، يقومون على المسجد وما فيه من الشعائر (الصلاة والعلم الشرعي). فالصلاة هنا أدت وظيفتين: الأولى: وظيفة جماعية في المجتمع، والتجمع في حد ذاته مطلب فطري وخاصة بين المتوافقين؛ والثانية: فرز نوعية معينة من الناس- أهل العبادة والعلم هنا- تجمعهم خمس مرات كل يوم على الأقل.
فمن خلال التشريع يتم إشباع غريزة التجمع عند الإنسان، ويحدث تجمع من نوع خاص.. تجمع أصحاب التخصص (أو الرغبة) الواحدة مع بعضهم؛ وبالوقت تتكون بينهم وشائج تستمر وتثمر في جوانب أخرى من الحياة كالنسب والتعاضد في مواجهة التحديات،،،،؛ والضابط لهذا التجمع هو التشريع الذي جاءنا في كتاب ربنا وسنة نبينا، صلى الله عليه وسلم، كما فهمه النموذج العملي للأمة (الرسول، صلى الله عليه وسلم، وصحابته، رضي الله عنهم)؛ فكل شعيرة لها ضوابطها يلتزم بها من حضرها.. الشرع هو الذي ينسق كل عمل جماعي أو غير جماعي؛ وليس التوافق على قيم معينة كما يفعل أهل الجمعيات الأهلية (المجتمع المدني). كما فهمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان.
والجهاد يتجمع له الناس، كل بما يستطيع من مال وعتاد. يخرج المستطيع بما يستطيع من نفس ومال فإن نصره الله عاد بالغنيمة فكثر ماله وأصبحت له شوكة في المجتمع؛ فالجهاد هنا- كأداة فعل- أدى وظيفتين: عمل جماعي بين مختصين أو محبين لهذه الوظيفة الاجتماعية هذه الوظيفة الأولى، والثانية: فرز نوعية معينة من الناس (الشجعان الكرماء).
والعمل الجماعي بهذه الطريقة لا ينشيء جماعة تبقى وتتحرك بين الناس كجماعة متماسكة، وإنما ينشيء فعل جماعي لأداء مهمة ويتفرق الناس بعد أن تنتهي المهمة، وبالتالي لا يصبحون شيعة (كتلة متماسكة) بشكل مستمر داخل المجتمع. وإنما تظهر جماعتهم فقط وقت فعلهم (تخصصهم)، أما المتكلّسون (المتحزبون) داخل المجتمع فإنهم يتحركون سويًا.. يصبحون جماعة من دون الناس وبالضرورة يصبحون في مواجهة غيرهم كليًا أو جزئيًا؛ وهذه هي الجماعة المعاصرة. هي التشيع الذي ذمه العليم الخبير {(إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُوا۟ دِينَهُمْ وَكَانُوا۟ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْءٍ إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَفْعَلُونَ) (الأنعام:159).. وحدثنا أنه من أسباب استقرار الاستبداد (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا)} (القصص:من الآية4). فالتحزب في جماعات أحد أهم أدوات تفتيت المجتمع وتقسيمه، وبالتالي سهولة السيطرة عليه.
لماذا تبدو الجماعة المنظمة منسجمة مع الواقع الذي نعيشه؟
لأن المجتمع، هذا الذي نعيش فيه، علماني. قائم على الجماعات/ الأحزاب بصيغتها المختلفة. ولذا فإن الجماعة المنظمة (من الصحوة، أو الأحزاب السياسية، والتكتلات المجتمعية الأخرى،،،،) منسجمة تمامًا مع الصيغة العلمانية التي تتحكم في حياة الناس؛ وإن الإصرار على العمل من خلال الجماعة المنظمة يؤدي للبقاء داخل النسق العلماني، أو يؤدي إلى بقاء المجتمع العلماني بتفاعلاته الخاصة به. فهي من أدواته وتعمل لصالحه، وقد مر بنا بيان أن الأدوات فاعل عاقل يؤدي دورًا يتفق مع المنظومة التي أفرزته.
محمد جلال القصاص
