مخرج الخيشوم
محمد جلال القصاص
مما يدفع لتفصيل الحديث عن مخرج الخيشوم، وتحقيق أقوال العلماء في الذي يخرج من الخيشوم أنه وُجِد للإمام ابن الجزري نصّان يبدوا أنهما متناقضان في الذي يخرج من الخيشوم، فنص بأن الذي يخرج من الخيشوم هو الغنة، وآخر بأن الذي يخرج من الخيشوم هو أحرف الغنة، وعند التحقيق نجد أنه لا تناقض بينهما وإليك التفصيل.
- التصنيفات: طلب العلم -
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن أحبه واتبع هديه، وبعد:-
مما يدفع لتفصيل الحديث عن مخرج الخيشوم، وتحقيق أقوال العلماء في الذي يخرج من الخيشوم أنه وُجِد للإمام ابن الجزري نصّان يبدوا أنهما متناقضان في الذي يخرج من الخيشوم، فنص بأن الذي يخرج من الخيشوم هو الغنة، وآخر بأن الذي يخرج من الخيشوم هو أحرف الغنة، وعند التحقيق نجد أنه لا تناقض بينهما وإليك التفصيل.
تعريف الخيشوم:
الخيشوم: هو المخرج العام الخامس من مخارج الحروف، وهو أقصى الأنف، أو خرق الأنف المنجذب داخل الفم.
وللعلماء قولان في الذي يخرج من الخيشوم:
القول الأول: أن الذي يخرج من الخيشوم أحرف الغنة([1]).
والمقصود النون الساكنة والتنوين والميم الساكنة حال غنتهم غنةً مستطيلةً، وذلك في حالة:
- الإدغام بغنة أو الإخفاء أو القلب.
- والنون والميم حالة تشديدهما.
في هذه الحالة تتحول أحرف الغنة من مخرجها الأصلى - اللسان بالنسبة للنون، والشفتين بالنسبة للميم- إلى الخيشوم؛ وأما في حالة:
- تحريكها (أي حروف الغنة).
- وإسكانها مُظْهَرَةً (أي في حالة الإظهار) فإنها تخرج من مخرجها الأصلي فقط.
وذهب بعض العلماء أنه في حالة إسكانها مظهرة تخرج أيضًا من الخيشوم، وتخرج من المخرج الأصلي إذا كانت متحركة فقط([2]).
ويتفرع من هذا القول أقوال أخرى اتجهت إلى التفصيل بالتخصيص، فجعلت للنون والميم في خروجهما من الخيشوم أو من مخرجهما الأصلى ثلاث حالات([3]):
الأولى: حالة الإخفاء والإدغام بغنة يتحولان عن مخرجهما الأصلي إلى الخيشوم، ويخرجان منه فقط.
الثانية: حالة تشديدهما مثل: إنَّ، وثمَّ، فيخرجان من مخرجهما الأصلي السابق مع خروجهما من الخيشوم.
الثالثة: حالة تحريكهما أو إسكانهما مظهرتين فإنهما يخرجان من مخرجهما الأصلي فقط).
واتجهت أقوال أخرى إلى تخصيص النون المخفاه بالخروج من الخيشوم، أي مخرج النون الساكنة والتنوين يتحول إلى الخيشوم في حالة الإخفاء فقط، ويقولون المراد بقول الإمام ابن الجزري: (وغنة مخرجها الخيشوم) هو النون المخفاة، فقد جرت عادة بعض علماء التجويد تسمية النون المخفاة "غنة".
وإنما رأى أصحاب هذا القول أن مخرج أحرف الغنة حالة الإخفاء والإدغام بغنة والتشديد هو الخيشوم مع أن للسان عمل في النون وللشفتين عمل في الميم، وأن مخرجها - أي أحرف الغنة - حالة التحريك والإظهار من المخرج الأصلي مع أن للخيشوم عمل حينئذ لأنهم (نظروا للأغلب فحكموا له بأنه المخرج فلما كان الأغلب في حالة إخفائهما أو إدغامهما بغنة عمل الخيشوم جعلوه مخرجهما حينئذ وإن عمل اللسان والشفتان أيضًا، ولما كان الأغلب في حالة التحرك والإظهار عمل اللسان والشفتين جعلوهما المخرج وإن عمل الخيشوم حينئذ)([4]).
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:ـ
1-قول الإمام ابن الجزري: (الْمَخْرَجُ السَّابِعَ عَشَرَ - الْخَيْشُومُ - وَهُوَ لِلْغُنَّةِ وَهِيَ تَكُونُ فِي النُّونِ وَالْمِيمِ السَّاكِنَتَيْنِ حَالَةَ الْإِخْفَاءِ، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ مِنَ الْإِدْغَامِ بِالْغُنَّةِ، كَمَا يَتَحَوَّلُ مَخْرَجُ حُرُوفِ الْمَدِّ مِنْ مَخْرَجِهِمَا إِلَى الْجَوْفِ عَلَى الصَّوَابِ)([5]).
2- قول الإمام ابن الجزري في موضع آخر: (أَنَّ مَخْرَجَ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ مَعَ حُرُوفِ الْإِخْفَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْخَيْشُومِ فَقَطْ وَلَا حَظَّ لَهُمَا مَعَهُنَّ فِي الْفَمِ لِأَنَّهُ لَا عَمَلَ لِلِّسَانِ فِيهِمَا كَعَمَلِهِ فِيهِمَا مَعَ مَا يَظْهَرَانِ عِنْدَهُ، أَوْ مَا يُدْغَمَانِ فِيهِ بِغُنَّةٍ)([6]).
ونلاحظ الإمام ابن الجزري اقتصر على حالة الإخفاء، وما في حكم الإخفاء من الإدغام بغنة.
3- أن الإمام ابن الجزري عَدّ الخيشوم من مخارج الحروف، والغنة صفة، فهذا دليل على أن الذي يخرج منه أحرف الغنة وليس صفة الغنة.
ويجيب هؤلاء عن قول الإمام ابن الجزري: (وغنة مخرجها الخيشوم) بأن فيها حذفًا والتقدير "وغنة مخرج محلّها الخيشوم" محلّها أي(محلُّ الغنة) يعني الحرف الذي تحل فيه الغنة وهو النون والميم، أو بأنه جرى على أن الغنة هي النون المخفاة ([7]).
القول الثاني: أن الذي يخرج من الخيشوم هو صفة الغنة([8]).
ودليلهم قول الإمام ابن الجزري: (وغنة مخرجها الخيشوم)، وقالوا إنما عُدّ الخيشوم من مخارج الحروف مع أن الذي يخرج منه صفة (لأن الغنة هي الصفة الوحيدة من بين صفات الحروف المنفردة بمخرج مستقل، أما بقية الصفات فتخرج مع الحرف من مخرجه إلا الغنة، فالغنة تخرج من الخيشوم لا من اللسان الذي هو مخرج النون، ولا من الشفتين اللتين هما مخرج الميم)([9]).
ويرفض هؤلاء القولَ بتحول النون والميم في كل أحوالهما إلى الخيشوم، وعلى رأس هؤلاء الشيخ المرصفي ورد – رحمه الله- على القول الأول بما يلي([10]):
في حالة تشديدهما أو إدغامهما في مثلهما وعند إخفاء الميم عند الباء في القلب والإخفاء الشفوي لا يتحول مخرجهما إلى الخيشوم، بل يظل ثابتًا في مخرجهما الأصلي الذي هو طرف اللسان بالنسبة للنون، والشفتان بالنسبة للميم.
وفي حالة إدغام النون الساكنة والتنوين في (الياء والميم والواو) فإنه يتحول مخرجهما من طرف اللسان إلى مخرج الحرف المدغم فيه لا إلى الخيشوم، إذ أنهما (النون الساكنة والتنوين) ينقلبان من جنس المدغم فيه ويصيران حرفًا واحدًا مشددًا، لأن الإدغام في غير المثلين يستلزم إبدال المدغم من جنس المدغم فيه والنطق بهما حرفًا واحدًا مشددًا، فالنون الساكنة والتنوين ينقلبان ياء عند إدغامهما في الياء، وينقلبان واوًا عند إدغامهما في الواو، وينقلبان ميمًا عند إدغامهما في الميم مع الغنة.
وفي حالة إخفاء النون الساكنة والتنوين مع أحرف الإخفاء الخمسة عشر ينطق بهما قريبين من مخرج الحرف الذي يخفيان عنده من غير أن يبدلا من جنسه، ويكون اعتماد اللسان على مخارج هذه الحروف أقوي من اعتماده على مخرج النون.
وبتدقيق النظر في القولين نجد أنه لا تعارض بينهما كليةً بما يستدعي المفارقة، وأن قول الإمام ابن الجزري: (وغنة مخرجها الخيشوم) لا يتعارض مع قوله السابق: (أَنَّ مَخْرَجَ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ مَعَ حُرُوفِ الْإِخْفَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْخَيْشُومِ فَقَطْ)، ولا مع قوله: (الْخَيْشُومُ: وَهُوَ لِلْغُنَّةِ وَهِيَ تَكُونُ فِي النُّونِ وَالْمِيمِ السَّاكِنَتَيْنِ حَالَةَ الْإِخْفَاءِ، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ مِنَ الْإِدْغَامِ بِالْغُنَّةِ، فَإِنَّ مَخْرَجَ هَذَيْنَ الْحَرْفَيْنِ يَتَحَوَّلُ مِنْ مَخْرَجِهِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَنْ مَخْرَجِهِمَا الْأَصْلِيِّ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيحِ).
وذلك أن الإخفاء هوإعدام للنون الساكنة والتنوين مع بقاء صفتهما وهي (الغنة) فالباقي من النون الساكنة مع الإخفاء هو الغنة، حيث أن تعريف الإخفاء هو النطق بالحرف بصفةٍ بين الإظهار والإدغام عارٍ من التشديد مع بقاء الغنة في الحرف الأول (النون الساكنة والتنوين).
بمعنى أننا نخفي النون الساكنة أو التنوين عندما يأتي بعدها حرف من حروف الإخفاء الحقيقي الخمسة عشر، فلا تظهر النون كاملة كما في الإظهار، ولا تدغم كاملةً كما في الإدغام، ولكن تكون في منزلةٍ بين الإظهار والإدغام، ففي الإدغام تزول النون بالكلّية، وفي الإظهار تبقى بالكليّة، وفي الإخفاء يذهب ذات الحرف وتبقي صفته لذا كان بينهما.
وفي نهاية القول المفيد أن إخفاء الحرف على قسمين:
أحدهما: تبعيض الحرف وستر ذاته في الجملة كما في الميم الساكنة قبل الباء أصليةً أو مقلوبةً عن النون الساكنة أو التنوين.
ثانيهما: إعدام ذات الحرف بالكلية وإبقاء غنته كما في إخفاء النون الساكنة والتنوين عند الحروف الخمسة عشر المتقدمة)([11]).
إذًا الباقي من النون الساكنة مع الإخفاء هو الغنة، وسمى العلماء النون المخفاة (غنة)، وعليه فقول الإمام ابن الجزري: (أَنَّ مَخْرَجَ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ مَعَ حُرُوفِ الْإِخْفَاءِ الْخَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الْخَيْشُومِ فَقَطْ) لا يتعارض مع قوله: (وغنة مخرجها الخيشوم).
قال الشيخ المرعشي: (الخيشوم..يخرج منه النون المخفاة، وإن قلت ما الفرق بين النون المخفاة وبين الغنة؟ قلت هما متحدتان ذاتًا لأن كل منهما صوت يخرج من الخيشوم)([12]).
ويدخل مع الإخفاء ما في حكمه من الإدغام بغنة كما قال الإمام ابن الجزري، لأن الإدغام مع الواو والياء ناقص باتفاق حيث تذهب ذات الحرف وتبقى صفته وهي الغنة، وكذلك الإدغام مع النون والميم على القول بأنه إغام ناقص إذ ورد فيه الخلاف فذهب بعض العلماء أنه ناقص، وذهب آخرون أنه كامل. فالغنة هي المتبقية من ذات النون في حالة الإدغام الناقص كما في الإخفاء، فالقول بأن مخرج النون والتنوين يتحول في حالة الإخفاء، وما في حكمه من الإدغام إلى الخيشوم لا يتعارض مع القول بأن الغنة مخرجها الخيشوم.
ومن العلماء من جمع بين القولين فنجد الشيخ المرعشي في باب المخارج ذكر أن الذي يخرج من الخيشوم هو النون المخفاه، ثم قال: والخيشوم مخرج للغنة أيضًا، وعلل-رحمه الله- عدم ذكر الغنة مع النون المخفاة في مخرج الخيشوم في باب المخارج بقوله: (النون المخفاه عدت حرفًا لاستقلالها، بخلاف الغنة فإنها قائمة بالحرف وصفة له فلم تعد حرفًا، والمقصود هنا بيان مخارج الحروف، ولذا قال البعض عند قول ابن الجزري: "وغنة مخرجها الخيشوم" كان ينبغي أن يذكر هنا عوضًا عن الغنة "النون المخفاه")([13]).
وجمع بين القولين أيضًا الشيخ الضباع حيث قال في كتابه " منحة ذي الجلال": (الخيشوم وهو خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم المركب فوق سقفه وليس بالمنخر، ويخرج منه النون والميم الساكنتان حالة الإخفاء، أو ما في حكمه من الإدغام بالغنة، وهي أيضًا مقر الغنة وهي صفة تقوم بالميم والنون إذا شددتا أم سكنتا ولم تظهر)([14]).
والذي يتضح أن الذي يخرج من الخيشوم هو الغنة سواء أريد بها الصفة أو أريد بها النون والتنوين حالة الإخفاء والإدغام، وبتعبير آخر سواء أقامت الصفة بنفسها دون الحرف كما في حالة الإخفاء والإدغام الناقص إذ تنعدم ذات الحرف وتبقى الصفة وحدها، أم قامت بالحرف كما في باقي الحالات كالنون المشددة والقلب.
قال الإمام ابن الجزري عند حديثه عن سبب شمول الإخفاء لحروفه الخمسة عشر: (علة ذلك أن هذه النون صار لها مخرجان: مخرج لها، ومخرج لغنتها، فاتسعت في المخرج، فأحاطت عند اتساعها بحروف الضم، فشاركتها بالإحاطة، فخفيت عندها، واعلم أن الغنة تخرج من الخيشوم، كما تقدم، والخيشوم خرق الأنف المنجذب إلى داخل الفم)([15]).
الخيشوم
([1]) انظر: محمد مكي نصر الجريسي، نهاية القول المفيد في علم التجويد، مرجع سابق، ص 59، وانظر: حسام الدين سليم الكيلاني، البيان في أحكام تجويد القرءان، مرجع سابق، ص35، وانظر: محمود خليل الحصري، أحكام قراءة القرءان الكريم، مرجع سابق، ص69، وانظر: غانم قدوري الحمد، الميسر في علم التجويد, مرجع سابق، ص51.
([2]) نصر بن علي الشيرازي، الموضح في وجوه القراءات وعللها، مرجع سابق، ص117.
([3]) محمود سيبويه بدوي، الوجيز في علم التجويد، باب مخارج الحروف، نسخة الكترونية.
([4]) محمد مكي نصر الجريسي، نهاية القول المفيد في علم التجويد، مرجع سابق، ص59- 60.
([5]) محمد بن محمد بن الجزري، النشر في القراءات العشر، مرجع سابق، ج 1، ص201.
([6]) المرجع السابق، ج 2، ص27.
([7])انظر: محمد مكي نصر الجريسي، نهاية القول المفيد في علم التجويد، مرجع سابق، ص60.
([8]) عبد الفتاح بن السيد المرصفي، هداية القاري إلى تجويد كلام الباري، (المدينة المنورة، مكتبة طيبة، د، ت)، ج1، ص183، وانظر: محمد الصادق قمحاوي، البرهان في تجويد القرءان، (السعودية، مطبوعات وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف، ط1985)، ص37، وانظر: محمد عصام مفلح القضاة، الواضح في أحكام التجويد، (الأردن، دار نفائس، د.ت)، ص 35.
([9]) محمد عصام مفلح القضاة، الواضح في أحكام التجويد، مرجع سابق، ص 35.
([10]) عبد الفتاح بن السيد المرصفي، هداية القاري إلى تجويد كلام الباري، مرجع سابق، ص183.
([11]) محمد مكي نصر الجريسي، نهاية القول المفيد في علم التجويد، مرجع سابق، ص169 بتصرف يسير.
([12]) محمد بن أبي بكر المرعشي، جهد المقل، مرجع سابق، ص 137.
([13]) المصدر السابق، ص138.
([14]) علي محمد الضباع، منحة ذي الجلال في شرح تحفة الأطفال، (القاهرة، دار التأليف، د.ت)، ص26.
