من ذاق حب الله ارتوى

إيمان الخولي

خلق الله الخلق لعبادته والتقرب إليه فيتعرفون عليه فيزيدهم حبا له وشوقا إلى لقائه فى الآخرة وهى أعظم لذة ومتعة يصل إليها العبد

  • التصنيفات: التقوى وحب الله -

 

خلق الله الخلق لعبادته والتقرب إليه فيتعرفون عليه فيزيدهم حبا له وشوقا إلى لقائه فى الآخرة وهى أعظم لذة ومتعة يصل إليها العبد المتصل بربه ذلك الفوز العظيم فى الدنيا بمحبته وفى الآخرة بلقائه

إذ يقول تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5)}

 يقول ابن القيم :لما علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهدأ دون لقائه، ضرب لهم أجلا وموعدا للقاء تسكن نفوسهم

ما معنى العبادة ؟ ......هى كمال الحب مع كمال الخضوع والذل وأن الله يحب لذاته وكل ما سواه هو تابع لمحبته وكل محب فى الدنيا يريدك لنفسه والله سبحانه وتعالى يريدك لنفسك فكيف لا يستحى العبد وهو مشغول بحب غير الله واستغرق قلبه بمحبة سواه !

كل حبيب من البشر يألف حبيبه ويتعشقه لصفة هذا قوى البنيان وهذا كريم الطباع وهذا عطوف وهذا كذا وهذا كذا وقد يغيب عنه عيوبه فمالبالك بمحبة الكمال محبة الله الذى له الأسماء الحسنى والصفات العلا فكمال اللذة والسرور والفرح بكمال المحبوب وكمال اللذة والسرور تابعة لأمرين كما يقول ابن القيم

أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله وأنّه أولى بإيثار الحبّ من كلّ ما سواه.والأمر الثاني: كمال محبته، واستفرغ الوسع في حبّه، وإيثار قربهِ والوصولِ إليه على كلّ شيء.

هذا حال الحبيب مع محبوبه لا تسكن نفسه ولا تطمئن إلا إلى جواره تتحرك جوارحه بالله فإذا تكلم فبالله وإذا تحرك فبأمر من الله وإن سكت ففى معية الله ناظرا إليه بقلبه يرجو رحمته ومنتهى أمله فى رضى المحبوب عنه هناك من يقول وكيف أصل إلى هذه الدرجة من المحبة والشوق ؟ ....

أول خطوة لكى تحبه لابد من معرفة من تحب معرفة أسمائه وصفاته والتأمل فى آثرها فى حياتك التأمل فى نعمه وأن له الفضل عليك أيها الإنسان تفضل عليك بالخلق وقد كنت فى عداد العدم واختصك بنعمة العقل وكان من الممكن أن تكون شجرا أو حجرا أو لا شىء تفضل عليك دون سائر مخلوقاته إذ يقول تعالى :  {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَا ۛ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ

ثم تخيل أنك ولدت فى زمان غير زمانك ولدت فى عصر النبوة وكنت من الفئة المعادية لرسول الله مثلا أو فى عصر قوم لوط وكنت ممن يفعل الفواحش أو ولدت فى أماكن الفتن والاضطهاد للمسلمين فماذا كان الحال اذن ؟ لتحمد الله فى النهاية أنك خلقت مسلما فى هذا الزمان ليس هذا فقط إنما يسر لك أسباب الحياة وسخر لك الأرض والشمس والقمر يسيرهم فى حركة دائبة ليل نهار لخدمتك طائعين هل امتنعت الشمس يوما على الظهور هل امتنعت النار عن الإحراق وتخيل أنه سخر لك جوارحك تطيع فهذا اللسان ينطق بما تري وهذه العين تنظر إلى ما تريد وهل ترفض السيارة إيصالك إلى المكان الذى تريده ؟ و تخيل الناس كانت فى القديم تسافر شهورا طويلة لتصل إلى مكان على الخريطة وقد سهل لك وسائل المواصلات فى ساعة أو أقل تصل إليها وتخيل مدى معاناة الأعاجم فى النطق بالعربية وتعلم القرآن وأنت ولد لأبوين يتحدثان العربية فتعلمتها بسهولة وتأمل كم يعافيك فهناك من لديه إعاقة تمنعه من الحركة هذا وماذا عن نعمة الهداية أتظن أن لك يد فيها فهو الذى أعانك على الصلاة والزكاة وسائر العبادات وهو الذى حبب إليك الإيمان وزينه فى قلبك وهو الذى عصمك من الوقوع فى المعاصى هل تعتقد أنه بحكمتك وإراداتك ؟؟!

لا إنما هى توفيق من الله لك أن جنبك المعاصى ولا عجب فقد دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه أن يعبد الأصنام وهو النبى خليل الرحمن فما بالك بنا نحن وهذا يوسف دعا ربه :" {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ} (33

من الذى يطعمك ويسقيك وإذا مرضت فهو يشفيك !

تأمل فى اللقمة التى تأكلها ما العمليات التى تمر بها داخل جسمك من هضم وامتصاص النافع منها وإخراج الضار منها

والهواء الذى يدخل الرئة كيف تعمل الرئة فى تنقيته انظر لأناس أكلت ولم تخرج لأى سبب أو يتعطل عمل الجهاز المناعى فيهاجم الجسم نفسه بدلا من أن يهاجم الميكروب ماذا سيكون الحال إذن ؟

لتجد نفسك تردد الحمد الله الذى يطعم ولا يطعم ويكسى من العرى ويشفى من الأوبئة والأمراض الحمد الله الذى بيده الهداية والصلاح فالقلوب مفطورة على حب من أنعم عليها فقد يؤدى أحد لك معروفا فتصبح أسيره فمابالك بمن تشاهد إحسانه ألايكفى أنه فى كل يوم مع تقصيرك وإساءتك تراه يتحبب إليك بنعمه وهو الغنى عنك والعباد يتبغضون إليه بالمعاصى وهم الفقراء إليه

تراه قريب يجب دعاءك ويحميك من عدوك إذ يقول تعالى { ﴿ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۚ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ } إستعاذه بالقلب واللسان فيصرف عنك ألد أعداءك

كريم فى عطاياه وهو الغنى عنك يهديك حسنات أضعافا مضاعة وأنت لم تفعل إلا حسنة واحده يمن عليك بأوقات للطاعة ومواسم الخيرات فى العام الجمعة إلى الجمعة ورم ضان إلى رمضان وليلة القدر ويوم عرفة لعلك تعود إليه يمن عليك ويفتح لك باب التوبة والإنابة إليه وهو الغنى عنك فعنده ملائكة تسبحه ليل نهار يهديك كل هذا والمقابل منك قليل يفتح لك باب التوبة فتدخل بدون واسطة ليس بينك وبين الله حجاب ففى الحديث " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسىء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسىء الليل" وروى مسلم عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ولله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه "

إنه رب غفور رحيم يغفر الذنوب وإن كانت فى أصل جبل

 إنه الإله الذى تخضع له الملائكة ويسجد له كل المخلوقات من جبال وأشجار وبحار وأنهار ودواب إذ يقول تعالى :" وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا

هذا كله ويفرح بتوبة عبد من عباده وهو الغنى عنه ويستر القبيح ويعفو عن الذلات والتقصير تراه على إسرافك وبعدك عنه يناديك من قريب إذ يقول تعالى : {" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ "}

يعطى قبل أن يُسأل يشكر القليل ويغضب إذا لم ترفع له أكف الضراعة

الله أرحم بك من أمك وأبيك تأمل حين يحدث لك مكروه أو يصيبك مرض تجد والديك وأقاربك حولك لا حول لهم ولا قوة لا يستطيعون أن يدفعوا عنك شيئا ولكن الله إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فيدفع عنك الشر ويرفع البلاء الذى عجز أقرب الناس إليك أن يرفعوه عنك فأنت فى معية الله فى كل وقت ففى الحديث القدسى "ابن ادم مرضت فلم تعدنى و كيف أعودك وأنت رب العالمين

وماذا عن الابتلاءات ؟ إنها دليل محبة الله لك لأنه إذا أحب عبدا ابتلاه وأكثر الناس ابتلاءا الأنبياء فالأمثل فالأمثل فالعطاء ليس دليل كرامة للعبد ولا المنع دليل إهانة فكلاهما اختبار كما بين لنا المولى عزوجل إذ يقول : {" فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ () وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ"}

ومن ناحية أخرى فإن الله يبسط الرزق أو يمنعه عن من يشاء حسب ما يصلحهم فمن العباد ما لا يصلحه إلا الفقر ومن العباد من لا يصلح حاله إلا المرض وهكذا الله عزوجل يدبر أمر عباده بعلمه بما فى قلوبهم ثم أيهما أهون أن يطهره من الذنوب فى الدنيا أم يتركه للآخره تطهره النار ففى الحديث :" عن أبي سعيد الخدري ، - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - قال : " إن الله - تعالى - ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه " . ومن مظاهر رأفته بخلقه أن تجاوز عن الخطأ والنسيان وجعل الشريعة كلها رحمة بالمسلم إذ يقول فى كتابه :" يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

كيف لا يكون رحمة لنا وهو القائل رحمتى سبقت غضبى

يمهل أمة محمد حتى يتوبوا ويعودوا إليه إذ يقول تعالى {" وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا"} [فاطر]

وقد كان مكتوبا على من قبلهم أنه من فعل فيهم ذنبا يصبح ومكتوبا على باب البيت أن فلان فعل كذا وكذا

مساكين هؤلاء الذين ساووا بينه وبين غيره فى المحبة إذ يقول الله تعالى على لسانهم : {" تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ"} (98)

 وقد خلق لأجله السموات والأرض وجعل الجنة لأهله واحبائه والنار لمن أشرك به غيره

ما الوسائل التى بها نتقرب إلى الله فتورثنا حبه ؟

تدبر القرآن والعيش مع آياته ولاسيما آيات الخلق وصفاته واسماؤه الحسنى

فقد بين فى القرآن وصرف فيه من الآيات التى تدعو إلى التفكر والتأمل فى الكون والحياة إذ يقول تعالى :" {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا}

إذ يقول تعالى :" { أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } ودعاهم إلى النظر فى آياته المبثوثة فى الكون

فإذا استدل الإنسان بالتفكر على معرفة الخالق وفتح له عين البصيرة ليرى الحكمة من كل شىء فيزداد إيمانه بخالفه ومحبة له

وليتفكر فى اسمائه وصفاته فهو أول بلا ابتداء ، و آخرٌ بلا انتهاء ، لا يفنى و لا يبيد ، و لا يكون إلا ما يريد ، لا تبلغه الأوهام ، و لا تدركه الأفهام ، و لا يشبه الأنام ، حي لا يموت ، قيوم لا ينام ، خالق بلا حاجة ، رازقٌ بلا مؤنة.

ومن الوسائل أيضا الدعاء

 أن يرزقك حبه فقد كان هذا من دعاء النبى "اللهم إنى اسألك حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنى إلى حبك " اللهم أجعل حبك أحب الأشياء إلى وخشيتك أخوف الأشياء عندى "

ومن الوسائل أيضا إيثار كل ما يحبه الله على ما تحبه النفس وتهواه بالبعد عن المعاصى وكيف يعصى حبيبا حبيبه

و إذا كان رسولك الكريم ربط بين محبته وبين الايمان بالله فقال" لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين " فكيف بمحبة رب العالمين

فعلامة صدق المحبة طاعة الحبيب

قال تعالى : { {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ( } وكما قال الشاعر :

تعصي الإله و أنت تظهر حبه هذا محالٌ في القياس بديع

لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع

وليعلم أنه لم يوفق إلي الطاعات إلا بالله فهو المعين على الذكر والشكر والركوع والسجود وسائر الطاعات وكلما زاد فى الطاعات شعر بمحبة الله ومعيته فى كل وقت

التقرب إليه بالنوافل

في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم

((إن الله تعالى قال : من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب ، و ما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه ، و ما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و يده التي يبطش بها و رجله التي يمشي بها و إن سألني أعطيته ، و لئن استعاذني لأعيذنه" وقال العلماء عن النوافل إنها إدامة الطرق على باب الله حتى يفتح لك ويتقبل منك وتنال محبته فيصبح العبد ربانيا فبالله يسمع وبالله يبصر وبالله يبطش وبالله يسير ويترجم أقواله أفعاله فلا يفعل إلا ما يحبه الله

ومن الوسائل أيضا أن تدل الخلق عليه

تذكير الناس به وتقريبهم إلى خالقهم من الوسائل التى تجعل الله عزوجل يحبك واذا أحبك فتح لك من خزائنه التى لا تنفد فقد روى فى الآثر أن الله عزوجل أوحى إلى داود يا داود احبنى وأحب من يحبنى وحببنى إلى خلقى قال داود هذا أحبك وأحب من يحبك فكيف أحببك إلى خلقك قال ذكرهم بالآئى فإنهم لا يذكرون منى إلا خير"ولذلك نجد أن الأنبياء هم أقرب الناس إلى المولى عزوجل لأنهم يدلون الخلق على الخالق

مناجاة الله عزوجل

الإكثار من الخلوة معه فالمحروم الحقيقى الذى حرم لذة مناجاته واختيار أفضل الأوقات حتى يكون العبد أقرب ما يكون من ربه كما فى السجود كما بين لنا الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" وفى جوف الليل إذ يقول تعالى " إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6

قال تعالى : {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}

ومن صور المناجاة

عَنْ عَنْبَسَةَ بْنِ الْأَزْهَرِ، قَالَ: " كَانَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَاضِي أَهْلِ الْكُوفَةِ قَرِيبَ الْجِوَارِ مِنِّي، فَرُبَّمَا سَمِعْتُهُ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ يَقُولُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ: «أنا الصغير الذى ربيته فلك الحمد وأنا الضعيف الذى قويته فلك الحمد وأنا الفقير الذى أغنيته فلك الحمد وأنا الصعلوك الذى مولته فلك الحمد وأنا العزب الذى زوجته فلك الحمد وأنا الساغب الذى أشبعته فلك الحمد وأنا العارى الذى كسوته فلك الحمد وأنا المسافر الذى صاحبته فلك الحمد وأنا الغائب الذى رددته فلك الحمد وأنا الراجل الذى حملته فلك الحمد وأنا المريض الذى شفيته فلك الحمد وأنا السائل الذى أعطيته فلك الحمد وأنا الداعى الذى أجبته فلك الحمد ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا"

فهو أحق أن يذكر وأحق أن يشكر وأحق أن يعبد

سجدة الشكر لله عند ورود النعم فتكون المشاعر وقتها مفعمة بالامتنان والمحبة لله

وعلامة محبته الانكسار بين يديه

قيل لبعض الصالحين : أيسجد القلب ؟ قال : نعم يسجد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء

ومن الوسائل أيضا ذكر الله كثيرا فمن أحب أحدا أكثر من ذكره والاجتهاد فى أن يوافق اللسان القلب حينها يسكن القلب ويطمئن لشعوره بمعية الله له

 وهذه المحبة تورث فى القلب الرضى بقضاء الله لأنه تيقن أن الله لا يريد به إلا الخير وأنه ما خلقه لعذبه بل ليدخله الجنة والأقدار والبلايا ما هى الا أدوات لتذكير العباد بحقيقة وجودهم فى الحياة وأنها دار ممر وليست مستقر إذ يقول تعالى :" {وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ } (21 "وأن الأقدار جميعها لا تحمل إلا الخير وإن بدأت فى ظاهرها غير ذلك بهذه المعانى عاش الصحابة والتابعين فهذا هو عامر بن عبد قيس يقول: أحببت الله حبًا سهل عليَّ كل مصيبة، ورضاني بكل قضية، فما أبالي مع حبي إياه ما أصبحت عليه وما أمسيت

ولما قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وقد كان كُفَّ بصره، جاءه الناس يهرعون إليه, كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة، فأتاه عبد الله بن أبي السائب فقال له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فرد الله عليك بصرك؟ ‍فتبسم وقال: يا بنيَّ، قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.

كما أن المحبة تورث المؤمن الشوق إلى لقاء ربه لقاء من طالت مناجاته فى الدنيا وسكب الدمع فى محرابه الشوق إلى من لجأ إليه فى وقت المحن والشدائدووجده فى حاجته الشوق لمن أفاض عليه بكرمه وحفظه من كل سوء فى الدنيا ...لقاء من دعاه فى الدنيا فوجده قريب مجيب الدعاء وقد كان من دعاء النبى صلى الله عليه وسلم اللهم إنا نسألك الرضى بعد القضاء وبرد العيش بعد الممات والشوق إلى لقاءك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة " تأمل سأله الشوق إلى لقاءه بغير حاجة أن يكون الإنسان فى كرب فيستعجل الموت للقاء الله ليستريح من عناء الدنيا ولكن الشوق لله لمحبته وللرغبة فى وصاله سعيد بطاعته ربه لا يحركه الخوف من عقوبته بل يحركه التلذذ بعبادته وطلب رضاه إذ يقول موسى عليه السلام وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ

يقول احد التابعون إنه لتمر بى أوقات أقول لو كان أهل الجنة فى مثل هذا إنهم لفى عيش طيب

فالمحب يقبل على محبوبة بسعادة

وهذا يفتح الباب إلى الأثر الثانى المترتب على محبته وهو التضحية فى سبيله وإيثار محابه على محاب النفس من أجل نيل رضاه فتراه يشعر بالسعادة ونفسه تزهق فى سبيل الله فهذا عبد الله بن حجش تراه يناجى ربه ويدعوه ليلة غزوة أحد عن إسحاق بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أن عبد الله بن جحش قال له يوم أحد ألا تأتي فندعوا الله فجلسوا في ناحية فدعا سعد وقال: يا رب إذا لقيت العدو غداً فلقني رجلا شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله فيك ويقاتلني ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: اللهم ارزقني غداً رجلاً شديداً بأسه شديداً حرده أقاتله فيك ويقاتلني فيقتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني فإذا لقيتك قلت: يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذنك، فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت

كم من تضحيات عرفناها وتعذيب وإيذاء فى الله من قبل المشركين للصحابة تُرى كل هذا الثبات من أجل ماذا إلا محبة لله وطلبا للفوز بالجنة فهذا إعرابيًّا يسأل رسول الله عن الساعة: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ رسولُ اللَّه ﷺ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: حُبُّ اللَّهِ ورسولِهِ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. متفقٌ عَلَيهِ حب يدخل الجنة بصدق نية صاحبه وهذا صهيب الرومى ترى قريش وقفته فى طريق هجرته وقالت له

: يا صهيب، أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا[3] حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ؟ وَاللهِ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ.

فماذا يفعل صهيب؟ ترك ماله لهم وخرج منها مثلما يوم اتى إليها فما الذى دفعه إلى هذه التضحيات الكبيرة إلا محبة دين الله والحفاظ على عقيدته من الفتن وعندما وصل الخبر للنبى قال قولته الشهيرة قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم:  «ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى» 

ومن آثار حب الله فى قلب العبد أنها تجعله يغار على محارم الله إذا انتهكت فيحب لله ويبغض لله يكره الظلم والكفر والفسق والكبر وكل الموبقات التى لا ترضى حبيبه فكما قال نبى صلى الله عليه وسلم "أوثق عرى الإيمان الحب فى الله والبغض فى الله " إن كان الحب صادقا فعلا تجعل المحب يشفق على الخلق وخاصة العصاة وهذا نراه فى الأنبياء كانوا أكثر الناس اتصالا بالله عزوجل وأكثر الناس مخافة على أقوامهم فقد توحدت دعوتهم لأقوامهم وكانت من منطلق الخوف والشفقة عليهم إذ يقول تعالى :"ۖ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ"

فيجب على أصحاب الرسالات ومن يعمل فى حقل الدعوة أن يستوعب الناس ويحتويهم ولا يتكبر عليهم بطاعته فهذا دليل حبه الحقيقى لله

كما أن محبة الله تورث الاستغناء بالله عن من سواه كما قال تعالى "وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا

وقال أيضا {"أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ "} ألا يكفيك أنه حكم عدل فلا تظن أنه غافل عما يعمل الظالمون وألا يكفيك أنه الرزاق الغنى المغنى فلا تخاف من فوات الرزق ألا يكفيك أنه الحافظ لك من كل ما تخافه ألا يكفيك أنه وحده الضار النافع وغيره لا يملك من أمره شيئا وأنه الرقيب على عملك فيدعوك إلى الإخلاص لله فى كل عمل

{( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ۖ )}

فقد أنقذ يونس من ظلمات ثلاث، وعافى أيوب من الضر، وحمى إبراهيم من النار، وسلّم موسى من فرعون وقومه، وعصم يوسف من فعل الخطيئة، وحفظ محمد وصاحبه من أعين أعدائهم إذ يقول تعالى : { ( إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ )}

وعن معنى الاستغناء بالله يقول

الجنيد: قد أوجب الله لأهل محبته الصنع والتوفيق في جميع أحوالهم،

فأورثهم الغنى، وسدّ عنهم طلب الحاجات إلى الخلق، تأتيهم ألطاف من الله من حيث لا يحتسبون، وقام لهم

بما يكتفون، ونزَّه أنفسهم عما سوى ذلك، إكرامًا لهم عن فضول الدنيا، وطهارة لقلوبهم من كل دنس، وأمشاهم في طرقات الدنيا طيبين، وقد رفع أبصار قلوبهم إليه، فهم ينظرون إليه بتلك القلوب غير محجوبة عنه وصدق من قال ((والله ماطابت الدنيا إلا بمحبته وطاعته، ولا الجنه إلا برؤيته ومشاهدته))

نسأل الله أن يفتح لنا باب الأنس به والشوق إلى لقائه ويجعلنا ممن قال فيهم يحبهم ويحبونه ورضى الله عنهم ورضوا عنه