أثر المتصوفة
أبو الفرج ابن الجوزي
ثم من الدخل الذي دخل ديننا طريق المتصوفة فإنهم سلكوا طرقاً أكثرها تنافي الشريعة، وأهل التدين منهم يقللون ويخفقون.
- التصنيفات: الملل والنحل والفرق والمذاهب -
قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:
ثم من الدخل الذي دخل ديننا طريق المتصوفة فإنهم سلكوا طرقاً أكثرها تنافي الشريعة، وأهل التدين منهم يقللون ويخفقون.
وهذا ليس بشرع، حتى إن رجلاً كان قريباً من زماني يقال له كثير، دخل إلى جامع المنصور وقال. عاهدت الله عهداً ونقضته، فقد ألزمت نفسي أن لا تأكل أربعين يوماً.
فحدثني من رآه أنه بقي عشرة أيام ثم في العشر الرابع، أشرف على الموت.
قال: فما انقضت حتى تفرغ فصب في حلقه ماء فسمعنا له نشيشاً كنشيش المقلاة ثم مات بعد أيام.
فانظروا إلى هذا المسكين وما فعله به جهله.
ومنهم من فسخ لنفسه في كل ما يحب من التنعم واللذات واقتنع من التصوف بالقميص والفوطة والعمامة اللطيفة، ولم ينظر من أين يأكل ولا من أين يشرب، وخالط الأمراء من أرباب الدنيا، ولباس الحرير، وشراب الخمور، حفظاً لماله وجاهه.
ومنهم أقواماً عملوا سننا لهم تلقوها من كلمات أكثرها لا يثبت.
ومنهم من أكب على سماع الغناء والرقص واللعب ثم انقسم هؤلاء، فمنهم من يدعي العشق فيه، ومنهم من يقول بالحلول، ومنهم يسمع على وجه الهوى واللعب.
وكلا الطريقين يفسد العوام الفساد العام.
وهذا الشرح يطول وقد صنفت كتباً ترى فيها البسط الحسن إن شاء الله تعالى، منها تلبيس إبليس.
والمقصود أن تعلم أن الشرع تام كامل فإن رزقت فهماً له فأنت تتبع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتترك بنيات الطريق ولا تقلد في دينك الرجال.
فإن فعلت فإنك لا تحتاج إلى وصية أخرى.
واحذر جمود النقلة، وانبساط المتكلمين، وجموع المتزهدين، وشره أهل الهوى، ووقوف العلماء على صورة العلم من غير عمل، وعمل المتعبدين بغير علم.
ومن أيده الله تعالى بلطفه، رزقه الفهم، وأخرجه عن ربقة التقليد، وجعله أمة وحده في زمانه، لا يبالي بمن عبث ولا يلتفت إلى من لام. قد سلم زمامه إلى دليل واضح السبيل.
عصمنا الله وإياكم من تقليد المعظمين وألهمنا اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه درة الوجود، ومقصود الكون صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأتباعه ورزقنا اتباعه مع أتباعه.
