يحترم العالَم القوي لا المُحق
وقد حدثتنا تجارب التاريخ وشواهد الوقائع الاجتماعية والسياسية أنّ النّاس لا يُوقف جرأتها ولا يحجم عدوانها؛ الأخلاق والرحمة ومراعاة الفضائل فقط! ولكن الذي يوقفها عن عداوتها: حجاز القوة والحزم والإثخان!
- التصنيفات: - ثقافة ومعرفة -
لما كانت غزوة بدر، وكان الأسرى وأخذ النبي ﷺ وصحابته الفداء فيهم، أنزل الله: {مَا كَانَ لِنَبِیٍّ أَن یَكُونَ لَهُۥۤ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ یُثۡخِنَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِیدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡیَا وَٱللَّهُ یُرِیدُ ٱلۡـَٔاخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ لَّوۡلَا كِتَـٰبࣱ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِیمَاۤ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ}.
فبين الله لنبيه ﷺ أن استئسار الأسرى، وأخذ الفدية؛ لا يكون حتى يبلغ الاثخان والتخويف لقريش رتبة يكون معها الكافـر متهيبًا مرتعبًا ﻻ ﻳﺠﺘﺮئ ﻋﻠﻰ ﻣﺤﺎﺭﺑﺔ اﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ.
تفسير الطبري (١١/ ٢٧١)
وقد حدثتنا تجارب التاريخ وشواهد الوقائع الاجتماعية والسياسية أنّ النّاس لا يُوقف جرأتها ولا يحجم عدوانها؛ الأخلاق والرحمة ومراعاة الفضائل فقط!
ولكن الذي يوقفها عن عداوتها: حجاز القوة والحزم والإثخان!
فالشدة -في أوائل الأمور- تقلل العنف لاحقًا! وتجعل الخصم يعيد حساباته قبل أي خطوة!
والدبلوماسية الشرسة تجعل عدوك يرى أن تكاليف هجومه عليك باهظة للغاية!
لأن عقلاء الناس حين يرون أنّ كلفة الحرب أرجح من فائدتها، وأن المواجهة ليست ذات جدوى، يرتفع لديهم سقف المخاطرة، وهناك يحجمون ويقفون!
وقديما قال ذلك الحكيم:
ومَن لم يذُد عن حوضهِ بسلاحهِ
يهدَّم ومن لا يظلم الناس يظلمِ!
وهنا أمران:
- فحين لا يكون على العدو كلفة، يسهل عليه التقدم! ويفسّر اللين -في أول الأمر- ضعفًا! والرفق قبل الحسم يُغري بالجرأة!
وهذا الذي يمكن أن نسميه: (تقدير الكلفة!)
- وأمر آخر: أن النّاس مطبوعون على هرمية القوة!
فالأقوى يُمنح شرعية أخلاقية أوسع، ويغتفر له ما لا يغتفر لغيره! والناس أسرع خضعانا له (كاليَدِ لِلفَمِ)! لأنه قوي! لا لأنه على الحق!
وهذا على خلاف النظر المرتجل الساذج، الذي يظن أن النزوع للسلامة يأتي بالسلامة!
وأن الرفق بالعدو يكفه عن عدوانه! وأنه سيستسلم لخصمه عن قناعة مبادئية، أو عن نظر أخلاقي!
ولهذا قال مكيافيلي جملة صادمة لكنها واقعية، قال: "الواجب أن يخافك الناس وأن يحبوك ، ولكن لما كان من العسير أن تجمع بين الأمرين فإن من الأفضل أن يخافوك على أن يحبوك ، هذا إذا توجب عليك الاختيار بينها"، (كتاب الأمير ١٤٣)
فالرحمة بلا قوة تُنتج الفوضى!
ووضعُ الندى في موضعِ السيفِ بالعلا
مُضِرٌّ كوضعِ السيف في موضع الندى
فالعقلاء يحمون أنفسهم بالقوة، ويمنعون العدو من اختبار حدودهم!
وهذا الأمر تصدّقه الدراسات العسكرية، وفي هذا يقول الجنرال (كارل فون كلاوزفيتز)، وهو أحد أشهر من كتب عن الحرب:
"الأخطاء التي تسببها الطيبة والسذاجة هي من أسوأ الاخطاء"، في كتابه المهم: (عن الحرب، ١٠٥)
ويقول: "هدف الحرب ليس تدمير الجيش فقط، بل تحطيم إرادة العدو على الاستمرار"!
ولهذا قال أحد مسؤولي الإدارة الأمريكية حين قصفت هيروشيما:
"لم يكن الهدف هزيمة اليابانيين، فإن استسلامهم قد كان واضحا! ولكن كان الهدف كسر إرادة الأجيال"!
وهكذا كان يصنع الألمان، ولعلك قد اطلعت على اللوحة التي رسمها الفنان الأسباني بابلو بيكاسو، التي استوحاها بعد قصف النازيين مدينة (غرنيكا) بأسبانيا.
والتي تعد في الغرب من أشهر فنون القرن الماضي.
لقد أظهرت هذه اللوحة شيئا من فظائع الحروب، فقد قصف الألمان هذه القرية بما فيها من نساء وأطفال، وجعلوها أطلالًا هامدة!
فأراد الفنان أن ينقل خلالها مشاعر الضحايا وفوضى الأجساد تحت النيران، حتى تصبح رمزًا عالميًا ضد الحرب!
وقد تم للنازيين ما يريدون!
إذ أرادوا أن تبقى هذه الذكريات في أذهان الناس، لإخضاعهم!
ثم تطورت هذه النظريات في التصرفات الدولية، خاصة الغربية، واستحدثت استراتيجيات الردع، وانفطرت عن المبادئ الأساسية لهذه النظرية.
وأصبح ينظر إلى الردع على أنه بناء كامل من علوم النفس والاجتماع والسياسة، التي يدار بها سلوك الخصوم! وتتغير حساباتهم الاستراتيجية.
وليس أداة عسكرية فقط.
إن هذه النظريات ليست في عزلة عن التطبيق، كلا!
بل هي نظريات تبنى عليها القرارات، ويفهم بها المسلم توجهات العالم من حوله.
انظر ما يقوله البروفسور الأمريكي توماس شيلينغ:
"التساهل في البدايات أو الغموض الأخلاقي يفتح الباب أمام اختبار القوة"!
ومن الأمور الطريفة أن هذا الدكتور حصل على جائزة نوبل في عام ٢٠٠٥ بالتاريخ النصراني، لمساهمته في فهم المواجهات واستراتيجية الصراع!
فهو صاحب نظرية الردع التي تركز على استخدام: (القوة المساوِمة)! بدلا من القوة الغاشمة!
واستخدام الإقناع عبر التهديد!
حيث يرى أن القدرة على إلحاق الأذى بعدوك؛ تعطيك قوة تفاوضية كبيرة.
فتستطيع أن صنع قوة تفاوضية، ظاهرها التفاوض وباطنها الإكراه!
مع استخدام طريقة في التهديد تقوم على ساقين:
- مصداقية التهديد.
- وغموض الخطط التفصيلية.
وصار من المعلوم بالضرورة في استراتيجيات الحروب:
أن الاستقرار يأتي به قلق المتحاربين من خروج الأمر عن السيطرة، حتى الوصول إلى حافة الهاوية!
مما يجعله تحت التهديد الذي يعطيه الاستقرار!
ويقتنع بجدوى الانصياع للطرف الرادع!
وقريب من ذلك ما يقوله الباحث والصحفي الأمريكي غلين سنايدر:
"الردع الضعيف يستدعي العدوان"!
وفي بحث عسكري كتبه هارلين أولمان وجيمس ويد عام 1996 مقدم إلى جامعة الدفاع الوطني الأمريكية، بعنوان: (الصدمة والرعب: تحقيق الهيمنة السريعة).
وتحول البحث إلى عقيدة عسكرية يقال لها: (نظرية الصدمة والترويع)!
في ذلك الكتاب صاغ المؤلفان مصطلح (الصدمة والترويع)، وقررا فيه:
أن السيطرة السريعة والمفاجئة على الخصم باستخدام القوة العسكرية المفرطة.
وشرحا في هذه الدراسة: عقيدة عسكرية تقوم على استخدام قوة ساحقة ومفاجئة واستعراض مذهل لها لشل إدراك العدو، وتدمير إرادته القتالية.
وقررا في الكتاب:
(أن الرعب النفسي المنهجي، وتحطيم تصورات العدو أهم من تدمير قواته ماديًا! فالسيطرة على الإرادة قبل السيطرة على الأرض)!
وأكّدا الفكرة التي ذكرتُها سابقا:
(الهيبة العسكرية والردود القاسية السريعة تمنع الحروب الطويلة)!
وقد قال جون ميرشايمر في كتابه المهم (مأساة سياسة القوى العظمى):
"الدول العظمى مضطرة لاستخدام القوة المفرطة، لأن النظام الدولي لا يعاقب الطغيان بل الضعف"!
وهذا الكتاب الذي يقع في نحو ٦٠٠ صفحة، وفيه لفتات مهمة، تستطيع أن تفهم به كيف تفكر الأنظمة الغربية، إذ يقول فيه:
"القوى العظمى تنزع إلى البحث عن فرص لتغيير توزيع القوة العالمي لصالحها، وأنها تغتنم هذه الفرص إذا توفرت لها القدرات اللازمة.. فالقوى العظمى مجبولة على العدوان.
والدولة التي لم تحسم أمرها مبكرًا:
تمزقت داخليًا أو سقطت خارجيًا!
والله المستعان.
_______________________________________
الكاتب: د. محمد آل رميح
