مشروع الإمارات و"إسرائيل الكبرى"

لم يكن المشروع الإماراتي يتحرك بشكل عشوائي، ولا كان منبتًا عن المشروع الصهيوني الأوسع في العالم العربي، والعالم الإسلامي الأكثر رحابة.

  • التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -

لم يكن المشروع الإماراتي يتحرك بشكل عشوائي، ولا كان منبتًا عن المشروع الصهيوني الأوسع في العالم العربي، والعالم الإسلامي الأكثر رحابة. 
في البداية، ساور محللين سياسيين مسلمين قلقٌ بالغٌ من نشاط دولة الإمارات في دائرة يبعد قطرها كثيرًا عن أبوظبي، وتمس دولًا ذات أهمية خاصة في المنطقة، لها أدوار ربما لم تتكشف إلا حالما اكتملت الصورة، وظهرت خطورة المشروع للحاذقين والغافلين، هؤلاء من بعد أولئك. 

ظاهر المشروع الإماراتي، والذي أريد له أن يظهر به أنه "مشروع اقتصادي"، يقتات على الفوضى والاقتصاد غير المشروع، الذي تسنده قوات ميليشياوية متعددة الجنسيات، وبدت الإمارات كما لو أنها قد أصيبت بشراهة عمياء، تحفزها لنهب وسرقة الذهب والثروات النفطية والأثرية وغيرها من كل مكان دبت فيه الفوضى. أما باطنه فكان يلهث خلف أهداف أكثر أهمية، ليس للإمارات، وإنما للكيان الصهيوني. 

عمت الفوضى في دول اليمن، والسودان، وليبيا، وكانت الإمارات حاضرة.. واندفعت أبوظبي متوجهة لإبرام صفقات استثمارية في مصر والصومال وإثيوبيا، وحتى تركيا (عبر سياسة نقدية لم تؤثر كثيرًا في حجم اقتصاد تركيا الكبير)، واستهدفت أبوظبي في كل هذه البلدان، المواقع الاستراتيجية، فوقعت عينها على المطارات والموانئ، ثم مكامن الثروات، ثم قضم الأراضي الشاطئية. 
ما تكشفه الخرائط، أن الدول التي دبت فيها الفوضى، وحصلت فيها انقسامات، وانتعشت فيها الميليشيات، وبرزت فيها الحركات الانفصالية، كانت هي الطبقة التالية من "دول الطوق" الذي يحيط بفلسطين المحتلة.. 

ما كشفته أيضًا أن الهدف الاستراتيجي الأبعد كان حصار مصر والسعودية، ثم العبث بأمنهما الداخلي والسعي نحو تحجيم دورهما الإقليمي. 
وما كشفته أيضًا، أن الإمارات باشرت سياستين مختلفتين حيال مصر والسعودية، فالأولى سعت لإلجامها بثقلة الديون، وشراء أراضي في عاصمتها وعلى شواطئها، واندفعت باستثمارات هائلة لتستحوذ على كثير من شركاتها الكبرى. سعت ببساطة إلى مصادرة قرارها السياسي تدريجيًا، وضمان تقييدها الكامل. أما السعودية، فالآليات مختلفة: محاولة اختراق ممنهج لتغيير هويتها، وفي كلٍ: تجنيد إعلاميين، و"مثقفين"، وقادة رأي، ومساعٍ حثيثة لحرف السياستين باتجاه ما يخدم المشروع. 
في الأخير، بدت السعودية عازمة على تغيير المسار السياسي الخارجي تحديدًا، فجدّت خطاها لقطع أيدٍ إماراتية في كلٍ من اليمن والسودان والصومال، وتأرجحت السياسة المصرية ما بين مصالح أبوظبي والرياض حتى الآن، وتضاربت الأنباء حول ترجيحها بين الخيارين. 
أما الإمارات، فقد تعرض مشروعها لضربة قوية جدًا في جنوب اليمن وشرقه، لكن مشروعها باقٍ ولم يعترها يأس من الاستمرار في طريق تحقيقه. ومشروعها أضحى واضحًا للعيان: مشروع للسيطرة قائم على التخريب لا البناء (وقد كان يمكنها أن تحققه بالبناء لا الهدم لو كانت تملك قرارها). وقد رسمت خطتها على تفكيك وتقسيم وإشاعة الفوضى في عدد من دول المنطقة العربية، وملاحقة الدعوة الإسلامية في كل مكانٍ في العالم، لاسيما أوروبا من بعد إتمام جزء من مهمتها داخل محيطها الخليجي ثم العربي. واستعملت تلك الأدوات: 
-  إنشاء ودعم ميليشيات متعددة الجنسيات، وقد كانت البداية من داخل الإمارات أولًا حين استقدمت الآلاف من المرتزقة الكولومبيين لحماية النظام الإماراتي قبل عقدين من الزمن. وقد دعمت هذه الميليشيات في كل من اليمن وليبيا والسودان، وترعى نبتات خبيثة صغيرة لها في مصر وسوريا وغزة. (نماذج: قوات حفتر، الدعم السريع، الانتقالي الجنوبي، العرجاني، والمجلس العسكري بالسويداء، ومجموعة الأسطل..)
-  الاستيلاء على مطارات بالقوة (نماذج: نيالا ومروى بالسودان، عدن والريان والغيضة باليمن، بنينا ببنغازي...) ومطارات عبر صفقات في دول عربية أخرى، باحتكار إدارة بعض مطاراتها (مطارات بوصاصو وبربرة الصوماليين وغيرهما).
-  تطويق دول عبر إدارة موانئها، ومؤسساتها الاستراتيجية كمنابع النفط، والجهاز الصحي، وغيره.
-  تدريب جيش وشرطة عميلة في مناطق مختلفة: مزاحمة تركيا في تدريب القوات العسكرية والأمنية في الصومال (قبل إلغائه الاتفاقات مع أبوظبي)، وبعض الدول العربية والإسلامية الصغيرة.
-  توجيه دعم عسكري عبر سلسلة من محطات الدعم العسكرية واللوجيستية في كل من إثيوبيا وأرض الصومال وجنوب السودان وشرق ليبيا وتشاد، للانفصاليين والمرتزقة. 
-  تقديم رشى لمسؤولين في جهات دولية، مثل الاتحاد الأوروبي والإفريقي، ورفد العمل العسكري بتغطية من لوبيات إماراتية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. 
-  شراء ذمم مسؤولين في الدول المعنية بالتفكيك. 
-  تأسيس بنى تحتية للكيانات الانفصالية قبل إشعال مناطقها. 
-  إقامة جسور من العلاقات مع الأقليات والقبائل وقادة القوميات في الدول العربية (أكراد – أمازيغ – نوبة...) 
-  ضخ أموال لمسؤولين وشخصيات علمية وأكاديمية وإعلامية بهدف العمل على تقويض كل القوى الإسلامية والوطنية التي يُتوقع منها إحداث مقاومة للاستراتيجية الصهيوإماراتية في المنطقة. 
-  تبني كل الأفكار والقوى المدنية الهدامة في المجتمع: الإلحاد – مراكز التشكيك في الدين – الإبراهيمية. وتبني الحركات المدجنة كالمدخلية وبعض الطرق الصوفية، وإحلال التصوف مكان الدين الصحيح.
-  دعم الكيان الصهيوني بشكل مباشر: تسليحًا وتصديرًا للسلع الضرورية أثناء الحرب، والوقوف معه كتفًا بكتف في المحافل الدولية (مثال: انفراد الإمارات برفض إدانة الاعتراف "الإسرائيلي" بـ"جمهورية أرض الصومال" المزعومة.
إلى غير ذلك من الأدوات التي تستخدمها الإمارات من أجل هدم عرى الوحدة والإخاء الإسلامي في المنطقة، وتفكيك الدول وإضعافها، لتمهيد الطريق أمام العدو الصهيوني لتنفيذ الفصول الأخيرة من مشاريعه.

________________________________________
الكاتب: رابطة علماء المسلمين