الحمية النفسية
لقد أصبحنا في عصر نتعرض فيه لمئات المواد السمية في كل صباح، وبالطبع لا أقصد هنا الرادون وعوادم السيارات، إنما أقصد ما تصبه علينا منصات التواصل الاجتماعي من مخرجات النفوس
- التصنيفات: - ثقافة ومعرفة -
لقد أصبحنا في عصر نتعرض فيه لمئات المواد السمية في كل صباح، وبالطبع لا أقصد هنا الرادون وعوادم السيارات، إنما أقصد ما تصبه علينا منصات التواصل الاجتماعي من مخرجات النفوس، مع غياب تام لأي سلطات مركزية أو أطر عامة حاكمة
بل إن محاولات التحكم فيها من قبل الحكومات ومحاولات حماية قيم الأسرة وغيرها من الشعارات محض عبث، فقد سقطت مركزية الإعلام ولم يعد بالإمكان توجيهه عبر البروباجاندا. ولكن ذلك لم يمنح الإنسان الحرية تماما، وإن أسفرت تلك الفضاءات المفتوحة عن جدليات فكرية ووجودية أنتجت نموا وزيادة استثنائية في الوعي إلا إنها لم تأت دون ثمن ولم تتنزل علينا دون ضريبة، وكانت مبطنة ببعض القبح الذي لا انفكاك عنه، بل صنعت نوع اهتزاز وتفكيك في مفهوم الزمن لتستبدله بـ (التايم لاين).
وكثيرون يغفلون عما يحمله لهم (التايم لاين) من رسائل مبطنة، وما يستثيره فيهم من أفكار مرتبطة بتكويناتهم ناهيك عن كونه يحمل الكثير من المحفزات التي تخاطب احتياجاتنا غير المسددة وصراعاتنا الداخلية، وبالتالي لم تعد مشاعرنا المؤلمة ترتبط فقط بمواقف حياتية أو صراعات مع شخوص في محيطنا، بل كثير من تلك المشاعر المؤلمة قد تغيب عنا أسبابها وبتقصيها نجدها تتصل بمشهد أو فيديو أو «ريل» أو منشور ما، أو ربما تعليق أو صورة عبرنا بها لحظيا عبر إحدى المنصات، ربما نسيناها ولكن لا تزال المشاعر التي استفزتها فينا سابحة في نفوسنا في أثناء اليوم، ما بين مقارنة وشعور بالفوات والتأخر، وشعور بالتقصير، والندم والحسرة، والوحدة العميقة، وتفلت الفرص، والبطر، واحتقار الذات. ومع هيمنة «الألجوريزم» الذي أصبح هو القوة الحقيقية المحركة للعالم أصبحنا نتجرع المزيد والمزيد مما استرعى انتباهنا ساعة !
وكما ينصح الطبيب مريضه المصاب بالسكري باتباع حمية غذائية يتقي فيها بعض أنواع الطعام، وينتقي فيها البعض الآخر، فهكذا اضطراباتنا الداخلية تستوجب حِميةً نفسيةً شبيهةً، نحاول فيها جاهدين أن نضع شبكة انتقاء لما نتعرض له من محتوى، نمنح التايم لاين) الخاص بنا نوعا من التنقية نزيل منه كل ما يمكن أن يمثل محفزات للانتكاسات النفسية واستفزاز للصراعات التي لا زلنا حديثي عهد بمواجهتها.
___________________________
📘الجلاد تحت جلدي، لـ د.عماد رشاد عثمان…
