أنا مسلم!

فيصل بن علي البعداني

  • التصنيفات: الآداب والأخلاق -

يقول الراوي: سافرت في سنة مضت إلى بلجيكا للمشاركة في مسابقة للمشي لمسافات طويلة، تمتد ثمانية أيام، يُلزم فيها المشاركون بالمشي يومياً من الثامنة صباحاً حتى الثالثة عصراً، مع قطع مسافة محددة، ومن عجز عن إتمامها خرج من المنافسة. 

وكنا قرابة عشرين مشاركاً، من ثقافات وأديان شتى، وكنتُ المسلم الوحيد بينهم.  
ولم أكن آنذاك على ما ينبغي من الاستقامة والمواظبة على الطاعة، غير أن في القلب بقية حياء من الله، وبقايا تعظيم لهذا الدين. 

وكان من نظام المسابقة أن تصلنا عند الثالثة حافلة تحمل معها لكل مشارك خيمة، وطعام، وماء… وقارورة خمر. 
وفي اليوم الأول، وفي أثناء توزيع القوارير، ناولني المنظم قارورتي وهو يقول مخاطباً زملائي على سبيل المزاح معهم والسخرية مني:  هذا يزعم بأنه مسلم. 
فضحك بعضهم، وقال أحد المشاركين، وكان بلجيكياً: 
أتشرب الخمر وأنت مسلم؟ 
فقلت، وقد هاج في صدري ما يشبه الغيرة، لا لنفسي بل لدين الله، لا، لا أشرب الخمر، فأنا مسلم. 
وحين دخل وقت المغرب، خرجت من خيمتي في برد قارس لأتوضأ، مع أني لم أكن يومها من المحافظين على الصلاة كما ينبغي. فرآني ذلك البلجيكي وقال متعجباً: 
كيف تغسل أطرافك بالماء، مع هذا البرد وهذا الهواء فقلت ببساطة: أنا مسلم. 
وفي يوم تالٍ، اشتد البرد حتى ارتجف صاحبي البلجيكي، وكان رجلاً كبير السن، فخلعت الجاكيت الذي ألبسه، وألبسته إياه، فقال لي: وأنت؟ ستصاب بالبرد وقد تمرض! 
فقلت: أنا مسلم، وديني يأمرني بإكرام الرفيق، ومساعدة المحتاج. 
وفي يوم آخر، تعثر رجل بوذي كان معنا، فساعدته، وثبته على المواصلة، وأمسكت به حتى وصل إلى النقطة المطلوبة. 
فقال لي البلجيكي متعجباً: ولمَ تفعل هذا مع مشقة الطريق؟، فقلت: هكذا علمني الإسلام. 
ثم جاء يوم المسابقة الأخير، وقد بلغ التعب من المجموعة كل مبلغ.  
فاتفق المشاركون على التوقف في الطريق ساعة للراحة وتناول بعض المشروبات، واتفقوا على عذرٍ كاذب يقدمونه للجهة المنظمة. 
وحين وصلنا، قال المنظمون: 
لقد تأخرتم، ومن لا عذر مقبول لديه فلن ينال شهادة المسابقة ولا شيئاً من جوائزها. 
فكذب الجميع… 
وحين جاء دوري، قلت الحقيقة كما هي، وأني توقفت  ساعة  للراحة، فحرمت بسبب ذلك من شهادتي والجائزة. 
فهمس صاحبي البلجيكي في أذني: لو كذبت كما كذبنا، لما أصابك ما أصابك! 
فقلت: أنا مسلم، والمسلم لا يكذب. 
وحين انتهت المسابقة، تبادلنا أرقام الهواتف، وعاد كل منا إلى بلده. 
ومرت تسع سنوات، وإذا بي أتلقى اتصالاً من رقم بلجيكي. أجبت، فعرفني بنفسه، فلم أتذكره. فقال: 
فتحت دفتر مذكراتي، فوجدت رقمك، وبجانبه عبارة: "مسلم لا يكذب" 
فاتصلت بك، وذكرني بقصة مسابقة المشي تلك، فتذكرته. ثم ألحَّ عليَّ أن أزوره، وأرسل لي عنوان بلدته الصغيرة، فرتبت إجازتي، وسافرت.  
وحين وصلت إلى العنوان المذكور، وكان متجراً، وجدت رجلاً تبدو عليه سمات المسلمين ووقارهم، فسألته عن صاحبي، فقال مبتسماً: أنا هو.  
ففتح ذراعيه، وطال عناقه لي، وهو يقول : لقد دلتني أفعالك تلك على الإسلام: دين الله الحق، وأسست مصلى صغيراً في قريتي لمن تبعني من الناس. 
فجزاك الله عني خيراً، ورفع قدرك وسهل دربك، وحين توقف عن عناقه لي سجدت على أرض متجره شاكراً لله طويلاً على أن جعلني سبباً في إسلامه. 
والله الهادي.