عقليتان.. وواقع واحد

فمن أراد الانتقال من عقلية تُكثر الشكوى إلى عقلية تُحسن التدبير، فليدرّب نفسه على سؤال العمل لا سؤال العتب

  • التصنيفات: تربية النفس -

بعد تأمّلٍ يسير، يظهر أن العقول ليست متساوية في الإقامة؛ بعضها يتخذ من المشكلة وطنًا دائمًا، يفرش فيها أسئلته، ويعلّق على جدرانها شكوكه، وبعضها يختار الحل مسكنًا، يدخل إليه من باب الاحتمال، ويؤثثه بالبدائل، الواقع واحد، غير أن العقول تتباين في طريقة السكنى فيه.

ثمة بشرٌ يحملون معهم حقيبة أدوات خفية؛ كلما دخلوا مجلسًا فتحوها، فإذا هي مليئة بالأسئلة المسمومة، والتأويلات السوداء، والاعتراضات التي تتكاثر كالفطر في الظل. هؤلاء لا يحتاجون إلى أزمة؛ هم قادرون على إنجابها، ورعايتها، ثم البكاء عليها. هذه العقلية تتغذّى على القلق، وتقتات على الاعتراض، وتملك موهبةً عجيبة في توليد المشاكل من الفراغ، كأن في داخله مطبعة أزمات لا تتوقف.

وفي المقابل، عقلٌ آخر يشتغل كفرن أفكار؛ يرى الوقائع موادَّ خامًا قابلة للتشكيل، يحوّل الانسداد إلى مخرج، والضيق إلى بديل، والخسارة إلى احتمال تعلّم. لا ينكر الوعورة لكنه يرسم المسار، ولا يتجاهل الألم لكنه يبحث عن الدواء، ولا يتغذّى على الندب بل على البدائل. إذا انكسر شيءٌ أصلحه أو أعاد توظيفه، وإذا سُدّ بابٌ فتح نافذة، وإذا خانته الظروف خادعها بالابتكار. 

وتنعكس هاتان العقليتان في اللغة والمزاج والحركة: عقلية المشكلة تُنتج لغةً مُحبِطة، ومزاجًا متشائمًا، وكسلًا مُقنّعًا بالتحليل. أما عقلية الحل فتُنتج لغةً بنّاءة، ومزاجًا متفائلًا، وحركةً واعية لا تستهلكها الشكوى. عقلية المشكلة تستمدّ طاقتها من السخط، وعقلية الحل تستمدّها من الرجاء. 

وهنا تأتي التربية بوصفها المعركة الحقيقية، تربية النفس على كبح الميل إلى التهويل، وإعادة برمجة السؤال، وإجبار الذهن على رؤية الممكن قبل المفقود، وتدريب الروح على اختيار المعارك التي تستحق الجهد. 

فمن أراد الانتقال من عقلية تُكثر الشكوى إلى عقلية تُحسن التدبير، فليدرّب نفسه على سؤال العمل لا سؤال العتب، وحين يكفّ الإنسان عن تعداد الأعذار، لا لأن الأعذار كاذبة بل لأنها مُنهِكة، ويشرع في صناعة الخيارات ولو كانت محدودة، تتغيّر البنية العميقة للحياة من حوله، والحياة واحدة، لكن عقلك إمّا أن يسكنها كزنزانة، أو يديرها كغرفة عمليات.

____________________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء