في ذكرى سقوط الأندلس.. ماذا تخبرنا السنن ويعلمنا التاريخ؟ وماذا يعنينا منها؟
يقرأ بعض المهتمين تاريخ السقوط ويسمع من العلماء الدروس والعظات، لكنه في كثير من الأحيان لا يربط بين حاله وحال من يقرأ عنهم، لا يأخذ الصورة الكلية ولا يربط بين المقدمات والنتائج.
- التصنيفات: التاريخ الإسلامي -
في الثاني من يناير عام 1492 م، سقطت آخر حصون الإسلام في الأندلس، وتسلم النصارى مفاتيح غرناطة الإسلامية لتصبح الأندلس الإسلامية، مملكة إسبانية مسيحية وتفارق طابعها الإسلامي الذي أنار جنباتها دهرًا، وحمل لها أنوار العلم والطهر، وأضاف إلى جمالها جمالًا، ثم إذا أخذ رداء الدين ينتقص ويتقلص عن حماها، عادت مسلوبة الإيمان، تبكي على نفسها وتشكو لربها انطفاء نورها وضياع أهلها.
وفي هذا العام تأتي ذكرى سقوط الأندلس ونحن نشهد بأعيننا أثر غياب فاعلية الأمة وتغول أعدائها واستطالتهم في الأرض، ونرى أعز البلاد وأكثرها بركة وقد أحالها أشد الناس عداوة أثرًا بعد عين، فهل لهذه الذكرى -التي تشبه في بعض صفحاتها المريرة واقع اليوم- أن تقدم لنا ما نتبصر به ونحن نرجو أن نتجاوز تلك الصفحات سريعًا؛ لندخل إلى صفحات العزة والقوة التي تحمي والإيمان الذي يرشد ويصلح؟
لكن، ما الجديد الذي سنعرضه هنا، ونحن نقرأ عن تلك الذكرى المؤلمة منذ قرون، ونردد مع الكلمات آهات الحسرة والتوجع، ونستمع إلى دروس الهزيمة وعبر السقوط، وما انتفعنا بذلك ولا حفظنا ديننا في أرض من التراجع ولا أوطان المسلمين من الانحسار والتآكل والانقسام؟
إننا هنا نريد أن نقف أولًا على سر هذا التكرار المزعج -تكرار الهزائم والسقوط- والذي تبين معه انتفاء العبرة، وغياب النظر المفضي إلى حسن الاستجابة والكف عن الوقوع في ذات الحفر والمصائد التي تعد بإحكام من قِبل من تغذى بالحقد وبالعداوة والبغضاء، ثم نعرض بعدها لخلاصة يسيرة من سنن الله وعبر التاريخ لعل فيها تذكرة وإيعازا بالنظر وأخذ العبرة.
لماذا لا نعتبر؟
بينما يحثنا الله في كتابه ويكرر أمره لنا بالسير في الأرض والنظر في الآيات، كونية أو اجتماعية أو غيرها «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا» [الحج: 46]، لنتعرف على طريقة الله وسنته فيكون لنا منها عبرة، ونتجنب ما يعرضنا للخذلان وللهوان وللتنازع والفرقة والسقوط، نجد واقعنا يخبرنا أننا الأقل اعتبارًا والأشد تكرارًا للنكبات والوقائع الأليمة، في حين ينهض أعداء الله من كبواتهم سراعًا، ويستعيدون عافيتهم ويحملون أنفسهم على الأشد والأنفع وإن أخذ وقتًا طويلًا وإن بلغ منهم الجهد مبلغًا. فإذا نظرنا في كتاب الله، وجدنا بعض أسباب ذلك فيما ذكره الله عن النموذج الذي عرضه الله علينا، نتخير منها أهمها وأشدها أثرًا في الغفلة والوقوع المستمر:
طول الأمد:
وصف الله أهل الكتاب بقسوة القلوب وانتفاء تأثرهم بالمواعظ والآيات، وبيّن لنا سبب ذلك بطول الأمد، وحذرنا من أن نصل إلى تلك الحال التي تصير فيها القلوب مصمتة لا يصلها ري تنتعش به ولا يتخلل جوانيها أنسام خير، كالكوز مجخِّيًا لا تنتبه ولا تتعظ، وجعل لنا سبيلًا للتخلص من تلك الآفة بالرجوع المتكرر إلى الوحي وإلى كلمات القرآن التي جعلها مثل الغيث التي تتفتح به القلوب وتعالج به قسوتها حتى تلين وتخشع، حتى لا تصل إلى حال يصدق فيها قول الله تعالى: «وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ» [يونس: 101].
غياب اليقين:
لا يعد الإيمان فاعلًا وحقيقيًا ومؤثرًا في ميادين الحياة يدفع للاعتبار ولتغيير الحال إلا إذا كان يقينًا مغروسًا بالنفس لا تأخذ منه ضغوط الحياة وزينة الدنيا ومصالح الأفراد وإغراءات المادة. ولقد كان أكثر ما ذم الله به أهل الكتاب والمعرضين عن الهدى استغراقهم في الحياة الدنيا، وعدم اعتبارهم للآخرة وقلة يقينهم بلقاء ربهم فهم أحرص الناس على حياة، وهم أشد الناس انصرافًا عن اتباع الهدى ومفارقة الهوى {وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الأعراف: 146]. وقد سرى ذلك الداء إلينا فصار الإيمان خاليًا من الأثر، لا تجدي معه المواعظ إلا تأثيرًا وقتيًا، ولا يحرض على تغيير خطة أو الانتفاع من الدروس والأخطاء والمراجعات.
الانشغال بمتاع الدنيا:
وهي الوجه الآخر للسبب السابق، فالانشغال الشديد بتحصيل معاش الحياة حتى يتحول من وسيلة وسبب يراد به حفظ الأنفس واستبقاء الحياة، إلى غاية يخطط لها طول الحياة ويسعى في تحسينها، ويخشى من فوات أي قدر منها، واحد من الأمراض التي خشي منها رسولنا الكريم على أمته «ما الفَقْرَ أخْشَى علَيْكُم» (صحيح البخاري: 4015)، وهذا ينذرنا بوقوعها، وبما يترتب عليها من وهن وتراجع في المكانة والمهمة الواقعة عليها.
وهذا الانشغال يمنع من التوقف والاعتبار ومراجعة النفس وإصلاحها، خصوصًا عندما يشتد التنافس ويقاس النجاح بمدى ما تحصل وجُمع، وعندما تكون الأمة الغالبة قائمة على هذا الاعتبار المادي الدنيوي. وقد ذم الله أهل الكتاب بذلك بل جعلها أحد أسباب الكفر والإعراض {قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا} [المائدة: 22]، بل عاتب الله صحابته لما ظنوا أن رعايتهم لمصالح الدنيا أنفع لهم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ} [التوبة: 38]، وقد عالج الله هذا التعلق في نفس الآية: فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ وحذرهم منه في آية أخرى: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، وإذا كان التعلق مما جُبل عليه الانسان لما فيه من مادة الأرض، فإنه مأمور بمعالجة هذا التعلق من خلال ما أنزل الله له وما علمه له نبيه كما رأينا في الآيات السابقة.
تزيين الأعمال:
حين يظن الإنسان أنه على خير، وحين تظن جماعة أو أمة أو طائفة أن أخطاءها ليست إلا اجتهادًا مغفورًا، وأن لها الأجر مهما كان الفعل والاجتهاد مخالفًا، ومهما تسبب في الانحراف وغلبة الأمراض وسقوط الهمم، فلن تلتفت إلى دروس التاريخ وإلى عبر الحاضر. بل سترى أنها بعيدة كل البعد عن تلك الأسباب والمقدمات، وستدعو غيرها إلى الاعتبار وتنسى نفسها. وهي آفة تتعرض لها الأمم والأفراد إذا لم يكن لهم منهج يرجعون إليه، أو إذا استبدلوا به أفكارهم وآرائهم وقدموها على الوحي المنزل {كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108]. ولقد كانت الأمة التي سبقتنا واقعة في تلك الصفة الذميمة كما ذكر الله عنهم {وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران: 188]، ولقد أصابنا ما أصابهم، فانحرفنا عن القصد، وخفت الأتباع، وقلَّ التبصر والاعتبار.
ولماذا لا نستجيب؟
أما عدم الاستجابة، وإن كانت هي النتيجة الطبيعية لغياب الاعتبار، إلا أننا كثيرًا ما نتأثر ونبكي، بل وتشهق قلوبنا من الألم والغضب، وهو مثال ما عانياه ونحن نشاهد أحداث غزة قائمة، لكننا في النهاية نعلل أنفسنا بالعجز ونفاد الحيلة، فلا تجد النفوس المتعبة المرهقة سبيلًا إلى تغيير ولا رغبة في بذل جهد تراه غير ممكن ولا أثر له. لذلك يغلب علينا الاعتبار الوقتي والتأثر الانفعالي دون استجابة حقيقة لعبر الأحداث ودروس التاريخ. لكن أهم ما يمكن التوقف عنده من أسباب تخلف الاستجابة في واقع الحياة:
غياب فهم السنن وكيف تعمل:
في الأمة كثير ممن يحبون لأمتهم أن تفيق من شرودها وأن تعود تطبق منهج ربها، لكنهم يغفلون عن الواقع والتاريخ والسنن التي قدرها الله وضرب لنا أمثالها في الكتاب، فيتصورون الأمر من جانب واحد، ولا يقدّرون أن السنن تعمل مجتمعة، وأن الواقع يتطلب جهدًا مبذولًا في كل مكان، وأن غياب جانب وتخصص ودور واحد قد يؤثر على فاعلية المجموع، ولذلك لا ينهضون بما يجب عليهم، ولا يهتمون بإصلاح الخلل الذي بجانبهم.
غياب حس المسؤولية الفردية:
يميل الإنسان بطبعه إلى نفي التقصير عن نفسه وإلقاء التبعة على غيره، فما أسهل أن يتحمل الحكام الوزر تامًّا، وهم أكثر الناس مسؤولية بلا شك، إلا أن الإسلام يعلمنا أن المسؤولية مشتركة، وأن مسؤولية الغير لا تنفي المسؤولية الفردية التي توجب أن ينظر كل فرد في نفسه، ويرى ماذا في سلوكه وفي حياته يمكن أن يكون سببًا في الهلاك فيتجنبه، وما يمكن أن يكون سببًا للخير فيأتي منه ما استطاع. وهذا الغياب له وجه آخر هو عقلية التبعية التي ترى أنه مادام الجميع يفعل كذا فلا بأس به، ومادام هذا هو السائد فلماذا أغير أنا وأمتنع أو أقدم الأولى.
غياب النظرة الكلية:
يقرأ بعض المهتمين تاريخ السقوط ويسمع من العلماء الدروس والعظات، لكنه في كثير من الأحيان لا يربط بين حاله وحال من يقرأ عنهم، لا يأخذ الصورة الكلية ولا يربط بين المقدمات والنتائج. فالترف مثلًا والذي كان أحد أسباب السقوط كما رصد المؤرخون، يقع فيه طائفة من الناس في زماننا، ويظنون ذلك ترويجًا للإسلام وللدعوة، ويغفلون عن أن الترف ليس فقط في اجتلاب الجواري وتقريب أهل الغناء، بل الإسراف في كافة صوره، والانغماس في الحياة المادية المعاصرة والرغبة في نيل متعها بلا تمييز مادامت في أصلها لم تدخل باب الحرمة، وهو باب من الفساد عظيم لا ينتبه له الكثيرون.
أما الذكرى المؤلمة، والتي مازالت تستجيش النفس ويذوب لها القلب، فقد تمثل فيها بشكل جليّ وعرض مفصل سنن الله التي عرضها لنا في كتابه وسنة رسوله، وكأنما هي نموذج يحكيه التاريخ، ويعلقه لأصحاب النظر والفهم والاعتبار. لكننا ونحن نعرض جانبًا من سنن الله ودروس التاريخ، نود أن نتلافى تلك النظرة التي حجبت عنا نظر الاعتبار والاتعاظ، فنرى أين نحن في الواقع من تلك السنن الربانية، وكيف يمكن أن نعتبر بها كأفراد وُجدوا في هذا الزمان.
بعض السنن التي تحققت وتكرر وقوعها في زماننا
1. {حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}: تبدل الأحوال وانقلاب النعم نقمًا
سنة تُذكر كثيرًا، ويلح عليها العلماء في أزمنة التأخر والتخلف عن حقيقة الدين بما أننا نرى أثرها، ونشهد حضورها القوي في واقعنا قبل أن نراها ممثلة في كتاب الله وفي تاريخ الأمم. ولا حاجة لنا أن نذكر أحداثًا ودولًا، فالتاريخ القريب كفيل بذلك. فتغير حال الأمة من الحرص على الالتزام بفرائض دينها، واتباع هَدي نبيها، وتفعيل قيم ثقافتها الإسلامية إلى إهمال ذلك كله والاقتداء بدلًا من ذلك بسنن من يخالفون عقيدتنا، بل ويتفننون في إيقاع الفساد في الأرض والتنصل من كل خير واتباع سبل الغي بلا حياء من فطرة أو ضمير؛ مؤذن بتغير الحال إلى تسلط الأعداء أو غلبة الظلم وفقدان الأرض والحق إلى حين يشاء الله {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ} [مريم: 59].
وإذا كانت السنة عامة، لكنها لا تتخلف كذلك عن الأفراد، فالله لا يرفع ستره عن مسلم ما لم يكن هو من يجاهر ويغير ويبدل ويختار طريقًا مخالفًا للرحمن محببًا إلى الشيطان. ولا تذهب النعم وتتبدل ويأتي الحال الذي هو أشد وأقسى إلا بنسيان الشكر والغفلة عن المنعم، كما قال ربنا: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى: 30]. فقيمة الدرس هنا تكمن أن يتفقد المسلم خطه في الحياة وسلوكه وفكره، ماذا أضاع من الحق وما بدل من الخير، وليجتهد ألا يبتعد كثيرا، وإن ابتعد أن يعود سريعا، كي تعود له معية ربه وستره وعافيته ولا يتخلف عنه عطائه ونعمه.
2. {إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً}: بطش الأعداء إذا تمنكوا
قرر الله لنا قاعدة التعامل مع الأعداء، وبين لنا طبيعتهم ونفسياتهم وما تختزنه صدورهم نحونا، لكن الذي لا يهتدي بكتاب ربه، لا ينتبه ولا يتوقف. وقد حملت لنا كتب المؤرخين صورا من التحالف والولاء ومودة الكافرين تفور منها الرأس غضبا وحمية، فمنهم من كان يدفع الجزية لملوك الأسبان، وهذه أقل صور الضعف وقبول الذل. فقد وصل الحال بعد ذلك إلى مشاركة الأعداء في قتال المسلمين، وتهنئتهم بالاستيلاء على مدن المسلمين، ومنهم من كان يرهن أبنائه لديهم ثمنًا لنصرة متوهمة منهم على إخوانهم من المسلمين، وغير ذلك من صور الموالاة الباطلة. وصدق الله في وصف من يسلكون هذا السبيل: {أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} [النساء: 139].
فإذا نظرنا إلى واقع اليوم وجدنا صورًا متكررةً لتلك الموالاة والتبعية، والمشاركة في الاعتداء على بلاد المسلمين بمزاعم واهية، وبأبشع طرق ممكنة إرضاء لحقد قديم أو محبة لخدمة السيد، وإمعانًا في طاعته وبذل النفيس في إرضائه. ويقف المسلم هنا متوجعًا مغتاظًا من هذا الإذلال المتعمد، لكن واجبه مع الكراهية الواجبة لهذا المنكر، أن يكون هو في نفسه، في عقيدته، في حياته، مع أسرته، في مجموع عمله، بعيدًا عن تلك التبعية متحررًا من ذلك الطغيان المادي بكافة صوره وأشكاله، فلعل الله يحفظه وينجيه إذا طرد العدو خادمه ودخل بجنوده يعيث في أرض الإسلام فسادًا، أعاذنا الله من شر ذلك.
3. {وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ}: اختبار الدنيا ووقوع البلاء
يبتلي الله عباده بالخير والشر فتنة، وقد تكون فتنة السراء أشد وأعظم لخفائها على الناس وللانشغال بالنعمة عمن أنعم بها. وقد تحدث المؤرخون والعلماء كثيرًا عما أصاب أهل الأندلس من زينة ومتاع وترف جعلهم يركنون إلى الدعة ويتثاقلون إلى الأرض، فلا يعبئون بما تتعرض له ديارهم من هجمة الأعداء، ولا ما يقع من ظلم وتهاون وضعف في الدين من حكامهم ومن علماء زمانهم. وتلك فتنة واقعة في زماننا كذلك بما انفتح فيه من أدوات وما انتشر فيه وسائل وتقنيات، وما اعتاد عليه الناس من كماليات صارت كأنها ضرورات وحاجيات على الرغم من حداثتها ومرور القرون المتتابعة بدونها. وقد ذكرتنا حرب غزة الأخيرة ببعض هذا، وكشفت لنا عما غفل عنه الناس من الغفلة عن النعم وإلف العادات واكتناز الكثير مما يمكن الاستغناء عنه.
وإذا كان ترف الأمم يصيبها بالتراخي والدعة والفساد المؤذن بالخراب، فكذلك ترف الأفراد، ففي ذلك درس حي ثمين لمن يسعى لذلك الحال ويظنه من دواعي النهضة وصلاح الحال، ولمن غفل ونسى بحكم ما يجده حوله من رخاء وسهولة في أسباب العيش، ولمن يتألم ويشكو العجز وضيق الحال، لأنه ينظر لتلك الصورة التي يراها في الإعلانات وعلى حسابات أرباب الشهرة والمخيلة، فكلما كان الإنسان متخففًا، كان أقدر على القيام بما خلقه الله له، وأقدر على الاستجابة لدواعي الحق من نصرة ومن حمية ومن بذل للمعروف.
4. {وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى}: إمهال لا إهمال
لم تسقط الأندلس يوم بدأ الظلم، ولا يوم أكل العلماء بدينهم أو غفل الناس عن مقاصد دينهم وانغمسوا في متع الحياة وترفها، بل كانت الأجيال تتابع والمحن تقع، والمظالم تمتد وخروقات الدين تتسع. وفي كل مرة تجد الأندلس من يدفع عنها غائلة السقوط ومأساة ضياع الأرض والدين، كانت تعود إلى سابق عهدها من التفرق والعصبية والتقاتل على الملك والسلطان والتحالف المهين مع العدو الصريح، حتى كان الأجل المقدر في الكتاب فوقعت الفاجعة التي مازالت تُبكي القلوب إلى اليوم. ذلك الدرس الرهيب الذي يقض المضاجع يذكرنا بحالنا، فكم من بلاد في زماننا ظنت نفسها بمنأى عما أصاب غيرها، تغرها أسباب الحياة حتى تفاجئها أقدار الله وتقع فيها الوقائع التي تذهل وتقض المضاجع. فسنة الله الإمهال، وسنة الخلق التدرج، فلا يجب أن تغفلنا الحياة المستقرة نوعا ما، إلى ما يقع في أرضنا من فساد وما في أعمالنا من تقصير وما في أحوالنا من سوء وما في سلوكياتنا من معاص وانحراف عن القصد وعن صراط الله. فإن الأيام تتبدل والسوء إذا زاد وانتشر صار أصلًا، وإذا لم يقم الأفراد بواجبهم في التذكير وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد يأتي على الناس زمان يتحول المنكر فيه إلى عرف ثابت لا غناء عنه، بينما المعروف غريب يستنكره الناس ويصفون أهله بالتشدد والمغالاة والبعد عن حقيقة الدين، ونخشى حينها أن يحق فينا سنة الله بالأخذ والاستبدال.
5. {ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ}: الفتنة في الدين
حين يضيق الأمر على المسلم، فلا يأمن على نفسه ودينه، فقد فتح الله له بابًا لا يغلق حين قال سبحانه وتعالى {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} [الزمر: 10] يقول السعدي معلقًا على هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى (أخبر أن أرضه واسعة، فمهما منعتم من عبادته في موضع فهاجروا إلى غيرها، وهذا عام في كل زمان ومكان، فلا بد أن يكون لكل مهاجر، ملجأ من المسلمين يلجأ إليه، وموضع يتمكن من إقامة دينه فيه) [السعدي: ص 720].
قد تعرض مسلمي الأندلس لمحنة التنصير ومحاكمات التفتيش الدموية، فصمد من صمد ومضى إلى ربه من مضى واستسلم للواقع الجديد من استسلم. وقد استطاع الهجرة والخروج منهم من قدر على ذلك، ثم أغلقت دونهم الأبواب، فلعل الله يقبل عذر المستضعفين منهم ومن أكره ولم يجد له مخرجًا. لكننا هنا نقرأ درسًا عنيفًا يجدر بنا أن نتأمله جيدًا، فحريٌّ بالمسلم ألا يعرض نفسه للعذاب والفتنة إن رأى بوادرها وشم رائحة المحرقة القادمة، ولا نقصد هنا أهوال الحروب وفتنتها على شدتها، إنما فتنة الدين وضياع العقيدة. وإذا كان هناك من أهل الأندلس من استطاع أن يُبقى إسلامه سرًا ويلقنه لأبنائه جيلًا بعد جيل، فإن البيئة تظل غالبة، والواقع يفعل فعله خصوصًا مع النفوس الغضة الطرية.
وفي بلاد الغرب فتنة الدين قائمة، تطل برأسها وتكشر عن أنيابها بين آونة وأخرى، فليتعلم المسلمون في تلك البلاد الدرس ويعتبروا ويقدروا للأمور قدرها.
6. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا}: الأخذ بالأسباب
عادت الأندلس أرضًا مسيحية بفضل جهود أعداء الله، بصبرهم الطويل زمن قوة المسلمين، وبحرصهم على الوحدة بينهم، فهم على سيرة أسلافهم الذين كانوا يتواصون بينهم زمان النبي صلى الله عليه وسلم بالصبر على باطلهم {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ} [ص: 6] وعلى إعداد عدتهم وترتيب أمورهم بينهم حتى يظفروا بمقصدهم، وهو ما أطلقوا عليه حروب الاسترداد. فقد توحد الهدف فيما بينهم، وانطلقوا يدخلون من الثغرات الكثيرة التي أحدثها المسلمون بسذاجتهم تارة وبطمعهم وغيهم تارة أخرى، حتى انفتح لهم الباب واسعا أمام واقع المسلمين المنفرط العقد والمفكك العزائم والواقع في حبائل الدنيا، البعيد عن تمثل السنن واتباع الأوامر الربانية. وهو ما حذر الله منه المسلمون حين أمراهم بموالاة بعضهم وللوقوف أمام موالاة الأعداء واتحادهم: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73].
وفي ذلك دروس كثيرة لو أخذنا بها لانتفعنا كثيرًا، لكن أهم دروسها خاصة للفرد الذي يجد انهزامًا وانقسامًا وحالًا لا ترضيه، هو الصبر على بلوغ الهدف، فكم صبر الأعداء وكم بذلوا في سبيل وصولهم لما أرادوا، ثمانية قرون وهم يترقبون غفلة المسلمين، ويشاركون في صنع أسبابها، لم يستبطئوا التاريخ ولم يستعجلوا النتائج، بل علموا أن تداول الأيام واقع لا محالة، وأنهم قادرون إذا أرادوا، فهلا استفاد المسلم من أعدائه، خاصة إذا كان عدوه في ذلك يوافق سنن الله، ويتخذ ما يأمرنا الله باتخاذه من عدة من إيمان وصبر وروية وبذل للنفس والمال؟
7. {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِه}: تدافع الحق والباطل
ونختم هنا بسنة أخيرة تحمل مجموع ما ذكر، فالسنن تتداخل وتتشابك ويؤدي بعضها إلى بعض، وملخصها أن سنن الله لا تتخلف ولا تحابي أحدًا، ولكن الله برحمته يمهلنا ولا يعاجلنا بالعقوبة، بل يغفر ويتوب، ويرسل للناس الرسائل والإنذارات كونية كانت أو اجتماعية أو غير ذلك، ولذلك لا يؤاخذ الله الناس بظلم ولا يهلك القرى وأهلها مصلحون، فمن فقهها كان أجدر أن ينال خيرها ويكفي شرها. وإذا كان من الطبيعي أن يسأل الناس، ألم يكن في البلاد يوم سقطت، في الفردوس المفقود أو فيما سقط من البلاد في زماننا المعاصر خير يدفع ذلك الشر؟ بلى، لا يخلو الأمر من أفراد يقومون بما يستطيعون، ويذكر لنا التاريخ بسطور من نور من قاوم واستشهد واجتهد قدر طاقته، لكن تحق السنن حين يغلب موجبها، ويحدث التدافع الذي قدره الله بين الأمم، ويبقى أمر الله غالب وسننه ماضية.
والإيمان بذلك يفتح أبواب الأمل وينزع من القلوب المؤمنة ما قد يتسلل إليها من مشاعر اليأس والإحباط، ولا يبقى إلا العمل الذي يجعلنا أسبابًا لدفع الباطل وإزالة شوكته. والأرض لله يورثها من يشاء، والعاقبة للمتقين.
ومازالت السنن كثيرة والدروس قائمة، لكننا نكتفي بما عرضنا، تذكرة لمن يمر، وتحفيزًا للحريص أن يعود فيقرأ القصة كاملة، ويستخرج دروسًا أقوى وسننًا أوضح، يفعّلها في حياته وحياة أمته مهما قدر.
نسأل الله أن نكون ممن يستفيدون من دروس التاريخ، وأن نكون ممن يعتبرون فيصحلون حالهم وينفعون غيرهم بما قدروا.
