تعريف الكاتب الحقيقي

الكاتب لا يُولد كاتبًا، بل يُصنع صناعة، يصنعه القرآن أولًا، وتصنعه السنّة، ثم تصنعه دواوين الشعر وأمهات الكتب، وتكرار القراءة حتى تصير النصوص جزءًا من الإحساس والتكوين.

  • التصنيفات: طلب العلم -

في زمنٍ كثر فيه التأليف حتى التبس الغث بالسمين، صار واجبًا أن يُعاد تعريف الكاتب الحقيقي، فالمرء لا يُعد كاتبًا حقًّا حتى يتضلّع في علوم اللغة، ويتشرّب التراث العربي قراءةً وفهمًا، وقبل ذلك كلّه حتى ينهل من الوحيين؛ كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه وسلم حفظًا وتدبّرًا، فهما أصل البيان، ومنبع الفصاحة، ومهد التكوين الروحي واللغوي.

ثم تبدأ بعد ذلك رحلة الفرز والتمييز، فلا يقرأ الكاتب لكل أحد، ولا يستوي عنده كل كتاب، بل يمضي إلى عيون الشعر والأدب، فيغترف من ينابيع الشعر والنثر.
يقرأ المتنبي فيجد فيه فحولة القول وقوة الأسر وسداد الحكمة ورسم دساتير البطولة وتعليم معاني العزّة وعلوّ الهمم، ويقرأ أبا فراس الحمداني فيستنشق عبق العروبة الصادقة، والتنويه بمآثر العرب وأخلاقهم، ويجده أصدق دعوى وأصفى انتماء.
ثم يقف عند البحتري فيطرب لحلاوة لفظه وعذوبة موسيقاه وسلامة أسلوبه من التعقيد، ويطيل المكث عند الشريف الرضي فيتذوق رقّة التعبير وبراعة الوصف وصدق الفخر بالأصول الكريمة التي جعلها منبعًا ثريًا لشعره. ويغوص في لزوميات أبي العلاء المعري فيجد دقة النفاذ إلى دخائل النفس، وتغلغل الفكر في سرائر الروح، وتمجيد العقل، والتنويه بالفضائل والكمالات.
ثم يعجب بابن خميس التلمساني حين يراه يمزج بين رقة الحضارة وجزالة البداوة مزجًا بديعًا، ويقف عند ابن خفاجة الأندلسي فيشم عطر الطبيعة حتى ليصح أن يُعنون شعره بـ”روضة وغدير”، ويقرأ شوقي فيرى فيه شاعر العصر، المجدّد، الصادق في تمثيل زمنه، الوفيّ للأسلاف، المعبر عن تقدم العلم واتساع الإنسانية.

ثم ينتقل إلى ركن النثر، فيجد في “البخلاء” للجاحظ عبقرية تصوير النفس البشرية وفهم الطبقات الاجتماعية وسحر اللغة في كشف الغرائز، ويقرأ “الحيوان” فيرى اجتماع العلم بالأدب والحكمة بالطرافة، ثم يقف طويلًا عند “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني، فيعود إليه مرة بعد مرة، ويجدد قراءته عقدًا بعد عقد، وكلما أعاد فتح صفحاته بعث فيه روحًا جديدة وكشف له جلال الأدب العربي وعظمته.

وهذه الكتب وأمثالها هي التي تبني الملكة، وتفحل الطبع، وتزكّي الثمرة، فالكتاب كالطعام: منه ما يقوّي ومنه ما يورث الهزال، وكذلك القراءة منها ما يبني العقل ومنها ما يضعفه. ومن هنا ندرك أن الكاتب لا يُولد كاتبًا، بل يُصنع صناعة، يصنعه القرآن أولًا، وتصنعه السنّة، ثم تصنعه دواوين الشعر وأمهات الكتب، وتكرار القراءة حتى تصير النصوص جزءًا من الإحساس والتكوين.

أما الاستعجال في الكتابة قبل الامتلاء فثمرته كثمار فقر الدم: نحول واصفرار وضعف في الروح والأسلوب، فالكاتب الحق قارئ عظيم أولًا، ومن لم يتشبّع قراءة فلن يُحسن كتابة. 

وتلك الصفات كلّها، من الامتلاء، ورسوخ الذوق، وطول الصحبة للتراث، أجدها اليوم ماثلةً في قلم خالد بريه، كأنّ الحرف عنده لم يولد من فراغ، بل خرج من رحم قراءة طويلة، وتربية لغوية صبورة، ومعاشرة صادقة لكتب الكبار!

_____________________________________
الكاتب: خالد بريه