تقَـاريــر الأعمَـال

وها نحن في غرة شهر شعبان وأول أيامه المباركة، وعلى وشك رفع المحصلة النهائية لحصاد عام كامل، وقد كان لنبينا عليه الصلاة والسلام مع شعبان شأن خاص!

  • التصنيفات: نصائح ومواعظ -

في حياتنا كل شيء مرصود ومدون بدقة متناهية؛ وكل شيءٍ في كتاب حفيظ: {لا يُغادِرُ صَغيرَةً وَلا كَبيرَةً إِلّا أَحصَاهَا ..}.
جاء في صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قام فينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بخمسِ كلماتٍ: قال: «إنَّ اللهَ لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، ولكن يخفضُ القسطَ ويرفعُه، يُرفعُ إليه عملُ اللَّيلِ قبل عملِ النَّهارِ، وعملُ النَّهارِ قبلَ عملِ اللَّيلِ  …».

إذن هناك تقارير دقيقة ترفع عن أعمالنا وتعرض على ربنا ما بين اليومي منها، والأسبوعي، والشهري، والسنوي، والختامي، وما استقر منها بعد عرضه عليه تعالى فهو مثبت ومدون في صحائف أعمالنا التي ستعرض علينا غدًا، ويقال لكل واحد منا: (إقرأ كتابَك كفى بنفسِكَ اليومَ عليكَ حسيبا).
وقد تظافرت الأدلة على إثبات أربعة أوقات مختلفة ترفع فيها هذه التقارير وتعرض على الله سبحانه، فيمحو منها ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب.

وهي على النحو الآتي:
أولًا: التقرير اليومي وذلك في الغدو والآصال، وتحديدًا: في صلاتي الفجر والعصر، ودليل ذلك الحديث الماضي: «يرفع إليه عملُ الليلِ قبل عملِ النهار، وعملُ النهار قبلَ عمل الليل»، وأصرح منه ما ثبت في الصحيحين من قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يَتَعاقَبُونَ فِيكُمْ مَلائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلائِكَةٌ بالنَّهارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلاةِ العَصْرِ وصَلاةِ الفَجْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وهو أعْلَمُ بهِمْ: كيفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي؟ فيَقولونَ: تَرَكْناهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتَيْناهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ».

ثانيًا: التقرير الأسبوعي وذلك في يومي الإثنين والخميس، ودليل ذلك ما جاء في صحيح مسلم وفي السنن من قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «تعرض الأعمال على كل جمعة مرتين: في الإثنين والخميس، فيغفر لكل عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا».
مع اختلاف يسير في بعض رواياته.
ولأجل ذلك استحب صيامُهما لفعله عليه السلام، فقد كان يحب أن يرفع عمله فيها وهو صائم.

ثالثًا: التقرير السنوي وذلك في شهر شعبان من كل عام، ودليله ما جاء عن أسامةِ بن زيدٍ رَضِي اللهُ عنهما قال:  قلتُ: يا رسولَ اللهِ؛ لم أرَك تصومُ من شهرٍ من الشُّهورِ ما تصومُ من شعبانَ ؟ قال: «ذاك شهرٌ يغفَلُ النَّاسُ عنه بين رجبَ ورمضانَ، وهو شهرٌ تُرفعُ فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، وأُحِبُّ أن يُرفعَ عملي وأنا صائمٌ».
(رواه أحمد والنسائي وصححه الألباني).

رابعًا: التقرير الختامي وذلك بعد استيفاء كل عبد لأجله، وطي صحيفة عمله، حيث ينقطع عمله بوفاته، ولا يبقى له إلا ما خلفه من سعيه بعد موته، فقد ثبت في صحيح مسلم قوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عنْه عَمَلُهُ إِلَّا مِن ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِن صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو له».
وهذا التقرير الختامي أمر حتمي دلت عليه عموم الأدلة، وهو النتيجة والمحصلة الكلية لكل عبد.

وها نحن في غرة شهر شعبان وأول أيامه المباركة، وعلى وشك رفع المحصلة النهائية لحصاد عام كامل، وقد كان لنبينا عليه الصلاة والسلام مع شعبان شأن خاص!
ففي الصحيحين: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله يصوم حتى نقولَ لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم؛ وما رأيت رسولَ الله استكمل صيامَ شهرٍ إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان».

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع ما كان قريباً من رمضان قبله وبعده".
اللهم وفقنا لصالح العمل الذي يرضيك.

________________________________________
الكاتب: فضيلة الشيخ د. عبدالله بن غالب الحميري