الحمد لله على نعمة الإسلام
مثلٌ ضربه الله للمسلم والمشرك، فمَثل المسلم الموحِّدِ كمثل عبدٍ لرجل واحدٍ فهو سالمٌ له ،ومثَلُ المشرك كمثل عبدٍ يملكه عدة شركاء، ويا ليتهم كانوا شركاءَ متوافقين فيما بينهم، بل هم شركاء متشاكسون مختلفون.."
- التصنيفات: - آفاق الشريعة -
في كتاب "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب" لشهاب الدين أحمد بن محمد المَقْري (أو المَقَّري) التلمساني -المتوفى سنة: 1041هـ - ،أن محمد بن أحمد بن أبي بكر القرموطي المُرسي كان من أعرف أهل الأندلس بالعلوم القديمة: المنطق والهندسة، والعدد والموسيقى والطب، وكان فيلسوفاً طبيباً ماهراً آيةَ الله في المعرفة بالأندلس، يقرئ الأمم بألسنتهم فنونَهم التي يرغبون فيها وفي تعلمها. ولما تغلب طاغية الروم – يقصد الملك القشتالي الفونسو العاشر- على مُرسية عرَف له حقَّه، فبنى له مدرسة يُقرئ فيها المسلمين والنصارى واليهود.
ثم ذكر المقري أن ذلك الملك راود القرموطي على ترك دين الإسلام ، فقال له يوماً وقد أدنى منزلته: لو تنصَّرتَ، وحصَّلتَ الكمال كان لك عندي كذا ،وكنت كذا. فأبى القرموطي، وأجابه بما أقنعه. ولما خرج من عنده قال لأصحابه: أنا عمري كلَّه أعبد إلهاً واحداً، وقد عجزتُ عما يجب له، فكيف حالي لو كنت أعبد ثلاثة كما طلب الملك مني؟! [ المصدر : نفح الطيب ( 4/ 130). ونحوه في كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة ( 3/ 42) للسان الدين بن الخطيب ( ت 776هـ ) . إلا أنه ذكر أن نسبته الرقوطي ، وليس القرموطي].
فما أجملَ هذا القولَ وأحسنَه، ولكنْ أبلغُ منه وأجمل ،قول الله عز وجل : {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}. [ الزمر : 29] . فهذا مثلٌ ضربه الله للمسلم والمشرك، فمَثل المسلم الموحِّدِ كمثل عبدٍ لرجل واحدٍ فهو سالمٌ له ،ومثَلُ المشرك كمثل عبدٍ يملكه عدة شركاء، ويا ليتهم كانوا شركاءَ متوافقين فيما بينهم، بل هم شركاء متشاكسون مختلفون؛ فهم يتنازعون أمره، ويتجاذبونه في حوائجهم، وقد يأمره أحدهم بنقيض ما يأمره به الآخر، فإنْ أرضى هذا أغضب ذاك لا محالة، فهو دوماً في حيْرة من أمره. فكما أنه لا يستوي حال هذيْن العبدين، فكذا لا يستوي حال المؤمن والمشرك.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً قال: (الحمد لله) أي على إقامة الحجة عليهم ، (بل أكثرهم لا يعلمون) أي : فلهذا يشركون بالله). [تفسير القرآن العظيم (4/53)].
فالحمد لله الذي هدانا للإسلام ،وجعلنا عابدين له وحده ، فلا إلهَ لنا غيرُه ولا ربَّ لنا سواه.ونسأله سبحانه أن يثبتنا على كلمة التوحيد التي أرسل بها النبيين ،وألزمَ بها عباده المؤمنين ، حتى نلقاه بها غير خزايا ولا مفتونين، ولا مُغيِّرين ولا مُبدِّلين ..
____________________________________________
الكاتب: الشيخ د. عبدالآخر حماد الغنيمي
