ظاهرة التحريش السلفي الأشعري.. حين يُقيَّد الدين بقيود المذهب
تخبرنا الحقيقة التاريخية أن المدارس الإسلامية أجمعت على أركان الإيمان وأركان الإسلام والمتواتر المعلوم من الدين بالضرورة، ثم اختلفت بعد ذلك في الفروع اختلافات كثيرة، ومضت القرون والاختلافات لا تزال قائمة، وستبقى طالما لم تتحول عقول البشر إلى نسخ كربونية متطابقة تمامًا.
- التصنيفات: مسائل فقهية -
تخبرنا الحقيقة التاريخية أن المدارس الإسلامية أجمعت على أركان الإيمان وأركان الإسلام والمتواتر المعلوم من الدين بالضرورة، ثم اختلفت بعد ذلك في الفروع اختلافات كثيرة، ومضت القرون والاختلافات لا تزال قائمة، وستبقى طالما لم تتحول عقول البشر إلى نسخ كربونية متطابقة تمامًا.
طبيعة الاختلاف وحقيقة الإشكال:
لم يكن الاختلاف وليد اللحظة، ولم تكن المشكلة في وجوده أصلًا، لكن المشكلة لها جانبان: يتجلى الجانب الأول بالفقر المعرفي حيث يظن بعض الناس أنهم اكتشفوا كشوفات عظيمة حين دروا بالاختلاف! وبدل التواضع العلمي وترميم ما ينقصهم؛ تحولوا من متعلمين إلى محاربين مجندين في مذهب ضد آخر.
مشكلة هذا الفريق أنه لم يتعامل مع المعرفة باعتبارها أداة للفهم، ووسيلة لتوسيع الأفق وزيادة الوعي، بقدر ما وجدها ساحة للصراع وميدانًا للتسلح، وكأنه حول الوجهة من قاعات الدرس إلى ساحات القتال! ونتج عن ذلك أن معرفة ضئيلة بالاختلاف؛ استدعت الكثير من المنخرطين، وبالإعلام الحربي قرعت الطبول، واصطف الجنود للذود عن ثغر الأمة المركزي! وما هو -في الواقع- إلا ثغر وهمي، أغلب ما يبذل فيه من الجهد الضائع غير النافع، وحقه توسيع الآفاق وترشيد الخطاب لا أكثر.
مرت على المسلمين قرون طويلة وهم مختلفون في مذاهبهم الفقهية والعقدية، فكان ذلك من مصادر غناهم، فهل يظن عاقل أن بإمكانه مسح كل ذلك التاريخ؟ أم هل يظن أن لديه القدرة على توليد نسخ من دماغه وزرعها في رؤوس بقية البشر حتى يقولوا بما يقول، ويتبنوا ما يتبنى!
قد يظن البعض أن مسائل العقيدة لا فروع فيها، ولذلك فإنها لا تحتمل الاختلاف كما يحتمله الفقه، وذلك غير صحيح، فالعقيدة كالشريعة لها أصول ولها فروع، ووقع الاختلاف في جزئيات فروعها منذ عهد الصحابة كاختلافهم في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه ليلة المعراج، هل كانت قلبية أم عينية؟
لذلك يفرق الباحثون بين العقيدة وبين الاشتغال المعرفي المتصل بها، فالعقيدة حقائق محددة تجلت في أركان الإيمان، بعكس علم العقيدة أو علم الكلام فهو مباحث البشر المتصلة بالعقيدة ولديه القابلية للتوسع في كل الاتجاهات، ويحتمل تعدد الأقوال واختلاف الآراء.
الجانب الثاني لمشكلتنا تتمثل في تحويل المذهب إلى هوية، وهنا نستذكر ما قاله عالم الاجتماعي العراقي علي الوردي عن فئة من الناس، حيث يصفهم بأنهم “أقل الناس تدينًا وأكثرهم طائفية!” ومثل ذلك؛ قدمت فرنسا نموذجًا يقوم على الكفر بالمسيحية في باريس والاستماتة لنشرها في الجزائر وبقية المستعمرات! فما الذي أدى لمثل هذا التناقض؟ في مجتمع متعدد الطوائف؛ حوَّل الذين أشار لهم الوردي الطائفية إلى هوية تعبر عن كيانهم، وفي دول تدين بأديان أخرى، وجد الفرنسيون أن ما دان به أسلافهم هوية لهم يمكنهم تصديرها لغيرهم -وإن كانت الدوافع استعمارية-.
في تحويل المذهب إلى هوية، لا نتحدث عن مسار معرفي بريء، بل عن آلية نفسية –وربما سياسية – تنقل الفعل من نشر الدين إلى تسويق الهوية باسمه، فالمنخرطون في هذا الصراع لا يدعون إلى الدين بقدر ما يدعون إلى الانتماء لهويتهم تحت مظلة الدين، وحين يتصارعون؛ فإنهم لا يدافعون عن الدين بقدر ما يدافعون عن ذواتهم متدثرين بالدين، وهكذا يتحول الخلاف من اختلاف معرفي قابل للنقاش إلى تمايز هويّات صلب.
مآلات الخلاف المتدثر بالدين:
ما هو أخطر من ذلك، أن هذا المسار ينتهي إلى تقييد الدين نفسه بقيود المذهب، في مفارقة عجيبة؛ فالدين وحيٌ إلهي، بينما المذهب جهد بشري، وهو واحد من جملة محاولات لفهم هذا الوحي وتنزيله في الواقع. فكيف يُستساغ، إذن، أن يُماهى الإلهي بالبشري، وأن يُمنح الاجتهاد البشري قداسة النص، بهذه الخفة واليقين؟
يدور أغلبُ التحريش الدائر اليوم حول مسائل الصفات الإلهية، وهي من القضايا التي درج أهل العلم قديمًا على التحفّظ في طرحها، فلا تُبسط في كل مقام، ولا تُلقى على قارعة كل طريق. وكان الأصل عند المشتغلين بالعلم الشرعي أن يُوجَّهوا خطابهم إلى ما يحتاجه السامعون، لا إلى ما يفتح عليهم أبوابا لم تخطر لهم، ولا يداوي عِللًا لم يشتكوا منها.
فما يُطرح اليوم ليس همًّا حقيقيًا، ولا إشكالًا واقعيًا يتخبط به الناس، وإنما يُقحَم إقحامًا، ويُسوَّق تسويقًا، ليُصنَع منه إشكال مصطنع، وتُستدرج به النفوس إلى مساحات من الجدل والحيرة لم تكن واردة أصلًا.
أفلا يخشى المحرِّشون من الآثار السلبية لمثل هذا الطرح؟ حين نأخذ إنسانًا خاليَ البال، مطمئنَّ الإيمان، فنفتح له بوابةَ استشكال قد تقوده إلى الشك، أو إلى اعتياد سوء الأدب مع العلماء؛ وهو سلوكٌ صار سمةً ملازمة لخطاب المحرِّشين وجماهيرهم، فتجدهم لا يقدِّرون كبيرًا في تاريخ الإسلام، ولا يحفظون حسنة لمن لم يوافقهم، وكأن هاجسهم الأول ليس ضياع الدين، بل خشية ذوبان هويتهم، والنتيجة أنهم ضيقوا الدين لا لأن النص ضاق؛ بل لأن هويتهم ضاقت، وقبلها أفق تفكيرهم.
آفات معرفية أم نفسية؟
يتناسى المحرشون مبدأ الرسالية في الدين، وبدلا عن التبشير والتيسير لجذب الناس إليه، يتحولون إلى حرّاس صفاء ديني متخيَّل على شاكلة المتحمسين للصفاء العرقي المتوهَّم، فيُخْرِجون من تلوث بغير مقولاتهم، وكأنهم استكثروا عدد المسلمين، فقرروا الاكتفاء بنادٍ خصصوه للنخبة التي يريدونها.
وهنا نشير إلى أمر آخر: لم يصل رؤوس التحريش لمكانتهم -بما لهم من جمهور ومتابعين- إلا بالتسلق عبر إثارة هذه المواضيع، فكانت فرصتهم التي لا تفوَّت، والبيضة الذهبية التي لا يمكن الاستغناء عنها، فهم يتنفَّعون بها وعليها يعتاشون، لا سيما وأن تكوينهم العلمي والمعرفي محدود، ولذلك اختاروا دخول البيوت من غير أبوابها، بحثًا عن البقاء تحت الأضواء، وإن اقتصر عملهم على التحريض وإثارة الشقاق.
في الحقيقة؛ ليس التحريش سوء أدب ولا حدة خطاب فحسب، بل هو معول هدم ذاتي، فحين يتناحر أهل الدار يسهل على عدوهم أن يغلبهم. نتذكر في غوطة دمشق إبان الثورة السورية حين تحارب “جيش الإسلام” و “فيلق الرحمن”، حتى جاء نظام الأسد المجرم فوحّدهم في الباصات الخضراء، وهجرهم جميعًا من ديارهم.
لا نستحضر هذا المثال من باب الاستدعاء السياسي، بل نريد القول إن التناحر الداخلي -ولا سيما في المسائل غير القابلة لوجهة النظر الواحدة- لا يُنتج غلبة لأحد، بل قد يفتح الباب لقوى أخرى -قد تكون هدَّامة- لتصفية الجميع أو تجاوزهم معًا.
خلاصة القول:
لعله من المفيد القول: إننا نذمّ التناحر والتحريش، ولا نذمّ المعرفة. نذم المحرِّشين ولا نذم طلاب العلم، ولا ندعو إلى إنكار وجود الاختلاف، ولا ندعو أحدًا إلى التخلي عن مذهبه، بل ندعو إلى استعادة أخلاق المعرفة، وإلى صيانة مسائل العلم من الابتذال، وعدم اتخاذها أداة للصراع أو وقودا للنزاع أو ذريعة للاستقطاب.
وندعو -في الوقت نفسه- إلى توسيع الآفاق، والانفتاح على المدارس الأخرى وقراءتها من مصادرها، والاستفادة من الجميع، والتخفّف من النظرات المسبقة، والتحرر من تهم الخصوم؛ إذ إن مساحة المشتركات -في النهاية- رحبةٌ تُظلّ الجميع.
