حِمَالُ خَـيْـبَر
منصور بن محمد المقرن
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجراً، كان أوّلَ عملٍ قام به هو بناء المسجد، وقد كان يَنْقُلُ مَعَ الصحابة اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ: «(هَذَا الحِمَالُ لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ *** هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ)»
- التصنيفات: السيرة النبوية -
عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجراً، كان أوّلَ عملٍ قام به هو بناء المسجد، وقد كان يَنْقُلُ مَعَ الصحابة اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ: «(هَذَا الحِمَالُ لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ *** هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ)» ، فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. قَالَ الزُهري: "وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَا البَيْتِ". ومعنى البيت: أن هذا المحمول من اللَّبِن لبناء المسجد، أبَرُّ عند الله من حِمال خيبر من التمر والزبيب، وأن الخير كل الخير هو خيرُ الآخرة؛ لكونه لا ينقطع بخلاف خير الدنيا، فإنه سريع الزوال. وقد كان التمرُ والزبيبُ في خيبر عصبَ تجارة اليهود الرائجة، ومصدر قوّتهم وفخرهم على أهل المدينة.
واستشهاد الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا البيت عند أول مشروع يُنفِّذه في المدينة، فيه تنبيهٌ للصحابة، وخصوصاً الأنصار، إلى ضرورة ترتيب الأولويات، ومراجعة الاهتمامات لديهم، وأن الغايةَ الأولى والمقصدَ الأعظم في بناء الدولة الجديدة هي المشاريع التي تحقق العبودية لله تعالى، وإن ظَهَر للناس أنها لا تُحقِّق عائداً مالياً، ولا نمواً اقتصادياً للدولة الناشئة.
وبهذا التنبيه، وبتلك اللفتة المهمّة، أحيا صلى الله عليه وسلم عند الصحابة - الذين كان أغلبهم فقراء- العزةَ بدينهم، وافتخارَهم بعبوديتهم لربهم، وأنهم بهذا - وبه فقط- هم الأعلون، قال تعالى: {(وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحزَنُوا وَأَنتُمُ وَأَنتُمُ ٱلأَعلَونَ إِن كُنتُم مُّؤمِنِين)} .
وفي الوقت نفسه، أسقط صلى الله عليه وسلم من أيدي يهود خيبر، لافتةَ الفخر والاستعلاء التي كانوا يرفعونها أمام من حولهم، فلم يَعُد أحدٌ من المسلمين يلتفت إليها، فضلاً عن أن يتشوّف أو يتطلّع لها.
فهل مِن أولويات المصلحين الآن، إثارةُ العزة بالعبودية لله تعالى والإنتماءُ للإسلام، وإسقاطُ أيّة مفاهيم أو شعارات مادّية يتعلق بها كثير من المسلمين الآن؟. هذا هو المتوقع والمؤمل.
كتبه: منصور بن محمد الـمقرن
