أنا أحب الإسلام
فيصل بن علي البعداني
الإسلام أعظم مِنَنِ الله تعالى على عباده، به هداهم للحق، وأبان لهم طريق مرضاته، وفيه خيرهم ونفعهم وفلاحهم، وما يقيهم من الضرر وما يجنبهم النار ومهاوي الردى والفتنة.
- التصنيفات: - آفاق الشريعة -
الإسلام أعظم مِنَنِ الله تعالى على عباده، به هداهم للحق، وأبان لهم طريق مرضاته، وفيه خيرهم ونفعهم وفلاحهم، وما يقيهم من الضرر وما يجنبهم النار ومهاوي الردى والفتنة.
ولذا فمن شكر النعمة، ومن تمام الامتنان الصادق لعطاء الله وعظيم فضله ووسيع رحمته، أن يكون الإسلام هو: أعظم محبوب وأثمن عطية.
ولكن دواعي محبة الإسلام لا تنبع فقط من جهة كونه ربانيَّ المصدر، وآتيًا من لدن الخالق الرازق، الرحيم الهادي، الجواد الحافظ، اللطيف الخبير، العليم الحكيم، وإن كان هذا سببًا باذخًا لتعلّق أهل الحمد وذوي الحِجى وأصحاب البصائر النيرة به، ولا تنبع كذلك من كون من أُرسل به وبلّغه هو ﷺ أكمل الخلق، وخيرهم، وأعلمهم، وأتقاهم، وأخشاهم لله، وأرأفهم بأمته، وأبرّهم، وأحرصهم على تعليم الناس وهدايتهم.
ولكن الإسلام جميل بذاته، محبوب لعظيم كماله، وجليل محاسنه، وكثرة خيراته الدنيوية والأخروية، ولعل من أبرز ما يجلي ذلك ويظهره أنه:
دين هو طريق السلامة وحده، ومفتاح النجاة، وبوابة الفلاح، والدين الذي ارتضاه الله لعباده، ولن يقبل من أحد دينًا سواه.
دين يكرم العقل ويستعمله فيما يحسن، ويعظم الحجة والبرهان، ويشجع على التعلم والتفكر في الأنفس والآفاق، ولا يأتي بما يناقض العقل الصريح، بل بما تحار فيه الأذهان أحيانًا، لا ليصادمها، بل ليهذبها، ويعزز يقينها، ويميز بين الراسخ في الإيمان ومن يعبد الله على حرف.
دين يعطي للنفس حظها، ويحفظ لها قدرها ومكانتها، ويضعها في موضع المسؤولية دون أن يحملها فوق طاقتها، فيراعي ضعفها وحاجاتها، ويهذب شهواتها، ويزكي دوافعها، فلا يكبتها ولا يطلقها بلا ضابط.
دين يمنح الإنسان معنى للمحنة قبل المنحة، وللشر قبل الخير، فيحوّل الابتلاء إلى باب تزكية، ويجعل الألم تهذيبًا، والخسارة تهيئة، والشدائد طريق قرب، فلا تضيع المعاناة سدى، ولا يتحول البلاء إلى عبث أو قنوط.
دين يصنع للإنسان معنى ويملكه سلامًا داخليًا، فيحقق الانسجام بين ما يؤمن به وما يعيشه، وبين باطنه وظاهره، وبين التكاليف والتحديات التي يواجهها، فلا يعيش صراعًا دائمًا بين القيم والواقع، ولا بين الدعوة والنتيجة، بل يسعى لردّ الواقع إلى القيم والاستقامة عليها، ومن هذا التوازن النفسي والبعد الرسالي والعبودية القائمة على الاختيار تنبع روح الاستقامة، واحتمال المشاق، ورغبة الإصلاح، ومسؤولية التغيير، ونصرة الحق، ومقاومة الفساد، كلٌّ بحسب طاقته وموقعه، دون يأس ولا تهور.
دين يجمع بين الواقعية والمثالية، ففي الوقت الذي يعلن فيه: فاتقوا الله ما استطعتم، ويقرر أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأنه ليس على المرء في دينه من حرج، نجده يحث على المسارعة في الخيرات، والترقي في دروب الكمالات، ويبين أن خير الناس أتقاهم لله وأكثرهم له خشية، وأن أقربهم منزلةً من النبي ﷺ أحاسن الناس أخلاقًا.
دين يوازن بين الدنيا والآخرة، معطيًا لكل واحدة منهما منزلتها دون أن يضيعها، ففي الوقت الذي يدعو فيه إلى عمارة الأرض، ويوجه أنه إن قامت الساعة وبيد المسلم فسيلة، فإن استطاع أن يغرسها فليفعل، ويحضّ المسلم على ألا ينسى نصيبه من الدنيا، نجده ينهى عن الاغترار بها، والتعلق بمتعها، ونسيان شأن الآخرة بسببها، ويحث على المسابقة إلى مغفرة من الله وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.
دين يصوغ علاقة الإنسان بالزمن، فلا يترك العمر يتبدد في الغفلة، ولا الأيام تُستهلك بلا معنى، بل يربط الوقت بالغاية، ويحوّل اللحظات العادية إلى رصيد أخروي بالنية والعمل النافع، فيشعر المسلم بقيمة الزمن ومسؤوليته عن دقائقه ولحظاته.
دين يحرر الإنسان من الخوف إلا من الله، فيكسر قيود التبعية للمخلوق، ويحرره من الاستسلام للهوى أو للمادة، فلا يذل إلا للحق، ولا يخضع إلا للخالق، فيحيا صاحب رسالة، عزيز النفس، ثابت الموقف، حر الإرادة، نزيه الضمير.
دين يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، ويحث على التعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، ويلزم المسلم بملازمة الحق والدوران معه حيث دار، ولو صادم الهوى وعارض الشهوة.
دين يؤسس لهوية المسلمين الجامعة دون انغلاق، وللاتباع دون تقليد، فيمنح أتباعه وضوح الانتماء وقوة الذات، وعدم التمييز بينهم بغير البر والتقوى، مع انفتاح واعٍ على الجديد، من غير تعصب أعمى ولا ذوبان مدمّر، فيعرف المسلم من هو، وماذا يحمل، وإلى أين يتجه، وكيف يتعامل مع غيره بميزان الحق والعدل والرحمة، حتى وإن كان خصيمًا.
دين متوازن شامل، محفوظ بحفظ الله، لا يقبل التبديل، ولا يدخل كتابه التحريف، ثابت في غاياته، سامٍ في مقاصده، صالح لكل زمان ومكان، جاء ملبّيًا لحاجات الروح والعقل والجسد، ومراعيًا لكل ما فيه صلاح الدنيا، وإقامة الدين، وفلاح الآخرة، جاعلًا الإصلاح والخير مقصدًا دائمًا، ومؤكدًا أن المستقبل لأهل الطريق القويم، بعزٍّ عزيز أو بذلٍ ذليل.
