من درر العلامة ابن القيم عن مكارم الأخلاق

فهد بن عبد العزيز الشويرخ

مكارم الأخلاق من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم, رحمه الله في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله  الكريم أن ينفع بها الجميع.

  • التصنيفات: محاسن الأخلاق -

                       

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين, أما بعد: فمكارم الأخلاق من المواضيع التي بحثها العلامة ابن القيم, رحمه الله في عدد من كتبه, وقد جمعتُ بفضل من الله وكرمه بعضًا مما ذكره, أسأل الله  الكريم أن ينفع بها الجميع.                 

                          [الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب]

  • السخاء والعطاء

السخيُّ قريب من الله تعالى, ومن خلقه, ومن أهله, وقريب من الجنة, وبعيد من النار....فجود الرجل يُحبّبُه إلى أضداده, وبخله بُبغضه إلى أولاده.

قد يكون الرجل من أسخى الناس وهو لا يعطيهم شيئاً, لأنه سخا عما في أيديهم وهذا معنى قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرعاً, وعن مال غيرك متورعاً. 

                               [أعلام الموقعين عن رب العالمين]

  • الإنصاف:

الله تعالى يحبُّ الإنصاف، بل هو أفضل حِلية تحلَّى بها الرجل، خصوصًا من نصب نفسه حكمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال تعالى لرسوله: {﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ } [الشورى: 15]، فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه وذي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل الحق مطلوبه، يسير بسيره وينزل بنزوله، يدين بدين العدل والإنصاف، ويُحكِّم الحجة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو العلم الذي قد شمَّر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، ولا يَثني عِنانَه عنه عذلُ عاذلٍ، ولا تأخذه لومة لائم، ولا يصدُّه عنه قول قائل

                         [مدارج السالكين في منازل السائرين]  

  • منزلة الخُلُق:  

من منازل {﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾}  : منزلة الخُلُق, قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم﴾} [القلم:4] وقد جمع الله له مكارم الأخلاق في قوله: {﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِين﴾} [الأعراف:199]وقد قيل إنُّ أحسن الخلق بذل الندى وكفُّ الأذى واحتمال الأذى

  • أركان حسن الخُلُق:

حسن الخلق يقوم على أربعة أركان لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر, والعفة, والشجاعة, والعدل. فالصبر: يحمله على الاحتمال, وكظم الغيظ, وكف الأذى, والحلم والأناة والرفق, وعدم الطيش والعجلة.

والعفة: تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل, وتحمله على الحياء وهو رأس كل خبر, وتمنعه من الفحش, والبخل, والكذب, والغيبة, والنميمة.

والشجاعة: تحمله على عزة النفس, وإيثار معالي الأخلاق والشِّيم, وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته, وتحمله على كظم الغيظ والحلم, فإنه بقوة نفسه وشجاعتها أمسك عنانها, وكبحها بلجامها عن التسرُّع والبطش.

والعدل: يحمله على اعتدال أخلاقه, وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط, فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الإمساك والإسراف والتبذير, وعلى خلق الحياء الذي هو توسط بين الذُّلِّ والقِحة, وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور.

  • التواضع

من منازل {﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾}  : منزلة التواضع, قال تعالى: {﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا﴾} [الفرقان:63] أي سكينةً ووقاراً, متواضعين, غير أشرين, ولا مرحين, ولا متكبرين

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمرُّ على الصبيان فيُسلم عليهم.

وكان إذا أكل لعق أصابعه الثلاث.

وكان يكون في بيته في خدمة أهله, ولم يكن ينتقم لنفسه قط.

وكان يخصف نعله, ويُرقِّع ثوبه, ويحلب الشاة لأهله, ويعلف البعير, ويأكل مع الخادم, ويجالس المساكين, ويمشى مع الأرملة واليتيم في حاجتهما, ويبدأ من لقيه بالسلام, ويجيب دعوة من دعاه ولو إلى أيسر شيءٍ.

وكان هين المؤنة, لين الخُلق, كريم الطبع جميل المعاشرة, طلق الوجه, بساماً, متواضعاً من غير ذلةٍ, جواداً من غير سرفٍ, رقيق القلب, رحيماً بكل مسلمٍ, خافض الجناح للمؤمنين, لين الجانب لهم.

وكان يعود المريض, ويشهد الجنازة, ويركب الحمار, ويجيب دعوة العبد.

التواضع للدين هو الانقياد لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم, والاستسلام له والإذعان...وإذا رأيت من أدلة الدين ما يُشكل عليك, وينبو فهمك عنه, فاعلم أنه لعظمته وشرفه استعصى عليك وأن تحته كنز من كنوز العلم لم تؤت مفتاحه بعد

ولا تصحُّ لك درجة التواضع حتى تقبل الحقّ ممن تحبُّ, وممن تُبغض, فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك...ومن أساء إليك ثم جاء يعتذر من إساءته, فإن التواضع يوجب عليك قبول معذرته, حقاً كانت أو باطلاً, وتكلُ سريرته إلى الله تعالى.

  • الحياء:

من منازل {﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾} : منزلة الحياء.

في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ برجل وهو يعظ أخاه في الحياء, فقال: (( دعه, فإن الحياء من الإيمان )) وفيهما عن عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الحياء لا يأتي إلا بخير )) وفيهما عن أبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان بضع وسبعون أو: بضع وستون – شعبة, فأفضلها: قول لا إله إلا الله, وأدناها إماطة الأذى عن الطريق, والحياء شعبة من الإيمان ))»

وفيهما عن أبي سعيد رضي الله عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها, فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه» .

وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم « (( إنما مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت )» ) وفي هذا قولان: أحدهما: أنه أمر تهديد ومعناه أي: من لم يستحي صنع ما شاء والثاني: أنه أمر إباحة, أي: انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله, فإن كان مما لا يستحيي منه فافعله, والأول أصحُّ, وهو قول الأكثرين.

والحياء من الحياة...وعلى حسب حياة القلب يكون فيه قوة خُلُق الحياء, وقلَّة الحياء من موت القلب والروح, فكلما كان القلب أحيى كان الحياء أتمَّ.

وأكمل الناس حياة أكملهم حياءً, ونقصان حياء المرء من نقصان حياته, فإن الروح إذا ماتت لم تحسّ بما يُؤلمها من القبائح, فلا تستحيي منها, وإذا كانت صحيحة أحسَّت بذلك فاستحيت منه, وكذلك سائر الأخلاق والصفات الممدوحة تابعة لقوة الحياة, وضدها من نقصان الحياة.

                                   [روضة المحبين]  

  • الغيرة:

غيرةُ العبد على محبوبه نوعان: غيرة ممدوحة, يحبُّها الله, وغيرة مذمومة, يكرهها الله, فالتي يحبُّها الله: أن يغار عند قيام الريبة, والتي يكرهها: أن يغار من غير ريبة بل مجرد سوء الظن, وهذه الغيرة تُفسدُ المحبة, وتوقع العداوة بين المحبِّ ومحبوبه,...ومنها: غيرة تحمله على عقوبة المحب بأكثر مما يستحقه.

[كتاب: الروح]

  • العفو:

العفوَ إسقاط حقِّك جُوداً وكرماً وإحساناً, مع قدرتك على الانتقام, فتؤثر الترك رغبةً في الإحسان ومكارم الأخلاق.

العفو من المخلوق ظاهره ضيم وذل, وباطنه عز ومهابة, والانتقام ظاهره عز, وباطنه ذل, فما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً, ولا انتقم أحد لنفسه إلا ذل, ولو لم يكن إلا بفوات عز العفو, ولهذا ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه قط

  • التواضع:

التواضع يتولد من بين العلم بالله سبحانه, ومعرفة أسمائه وصفاته ونعوت جلاله, وتعظيمه ومحبته وإجلاله. ومن معرفته بنفسه ونقائصها وعيوب عمله وآفاتها فيتولد من بين ذلك كله خُلق هو التواضع, وهو انكسار القلب لله, وخفضُ جناح الذلَّ والرحمة لعباده, فلا يرى له على أحداً فضلاً, ولا يرى له عند أحد حقاً, بل يرى الفضل للناس عليه والحقوق لهم قبله, وهذا خلق إنما يعطيه الله عز وجل من يُحبه ويُكرمه ويُقربه.

                             [تهذيب سنن أبي داود]

  • حسن الخلق مع الناس يقوم على أركان خمسة:

حسن الخلق مع الناس جماعه أمران بذل المعروف قولًا وفعلًا وكف الأذى قولًا وفعلًا....وهذا إنما يقوم على أركان خمسة: العلم، والجود، والصبر، وطيب العود، وصحة الإسلام.

أما العلم فلأنه به يعرف معالي الأخلاق وسفسافها، فيمكنه أن يتصف بهذا ويتحلى به، ويترك هذا ويتخلى عنه، وأما الجود فسماحة نفسه وبذلُها وانقيادها لذلك إذا أراده منها، وأما الصبر فلأنه إن لم يصبر على احتمال ذلك والقيام بأعبائه، لم يتهيأ له، وأما طيب العود فإن يكون الله تعالى خَلَقه على طبيعة منقادة سهلة القيادة، سريعة الاستجابة لداعي الخيرات، والطبائع ثلاثة: طبيعة حجرية صُلبة قاسية، لا تلين، ولا تنقاد، وطبيعة مائية هوائية سريعةُ الانقياد، مستجيبة لكل داع، كالغصن أي نسيم يعطفه - وهاتان منحرفتان، الأولى لا تقبل، والثانية لا تحفظ - وطبيعة قد جمعت بين اللين والصلابة والصفاء، فهي تقبل بلينها، وتحفظ بصلابتها، وتدرك حقائق الأمور بصفائها فهذه الطبيعة الكاملة التي ينشأ عنها كل خُلُق صحيح

وأما صحة الإسلام فهو جِماع ذلك والمصحح لكل خلق حسن فإنه بحسب قوة إيمانه وتصديقه بالجزاء وحسن موعود الله وثوابه يسهل عليه تحمُّل ذلك والله الموفق

                          [طريق الهجرتين وباب السعادتين]

  • الحياء:

الحياء...سببه كمال حياة القلب, وتصوره حقيقة القبح ونفرته منه, وضدُّه الوقاحةُ والفحش, وسببه موت القلب وعدم نفرته من القبيح.

  • الإيثار

الدين كله في الإيثار.

والفرق بين الإيثار والأثرة أن " الإيثار" تخصيص الغير بما تريده لنفسك, و" الأثرة" اختصاصك به على الغير.

الإيثار إما أن يتعلق بالخلق, وإما أن يتعلق بالخالق.

فإن تعلق بالخلق, فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتاً, ولا يفسد عليك حالاً, ولا يهضم لك ديناً, ولا يسد عليك طريقاً, ولا يمنع لك وارداً, فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك, فإيثار نفسك عليهم أولى, فإن الرجل من لا يؤثر بنصيبه من الله أحداً كائناً من كان...فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب قال الله تعالى: {﴿وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} ﴾ [الحشر:9] فأخبر تعالى أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذي إذا وقي الرجل الشح به كان من المفلحين, وهذا إنما هو في فضول الدنيا.

فإن قيل: فما الذي يُسهل على النفس هذا الإيثار, فإن النفس مجبولة على الأثرة, لا على الإيثار ؟  قيل: يسهله أمور: 

أحدها: رغبة العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها

الثاني: النفرة من أخلاق اللئام, ومقت الشح وكراهته له.

الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله للمسلمين بعضهم على بعض...فهو لخوفه من تضيع الحق والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا ينقصه ولا يضره, ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا, وجزيل الأجر في الآخرة, مع ما يجلبه له الإيثار من البركة

                                    [مفتاح دار السعادة]

  • الحياء:

تأمل هذا الخُلق الذي خُصَّ به الإنسانُ دون جميع الحيوان, وهو خُلق الحياء الذي هو من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدراً, وأكثرها نفعاً, بل هو خاصية الإنسانية, فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة, كما أنه ليس معه من الخير شيء.

  • مقابلة الإساءة بالإحسان:

الجزاء من جنس العمل, فمن عفا عفا الله عنه, ومن سامح أخاه في إساءته سامحه الله في إساءته, ومن أغضى وتجاوز تجاوز الله عنه, ومن استقصى استقصى الله عليه....فالله عز وجل يعاملُ العبد في ذنوبه بمثل ما يعاملُ به العبد الناس في ذنوبهم.

فمن أحبَّ أن يقابل الله إساءته بالإحسان فليقابل هو إساءة الناس إليه بالإحسان.

               كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ