عز المرء تقواه

يخطئ كثير من الناس حين يظنون أن العزّة هي الغلبة، أو ارتفاع الصوت، أو كسب المعركة ولو بالباطل، بينما يقرر القرآن حقيقةً مغايرة: قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

  • التصنيفات: التقوى وحب الله -

يخطئ كثير من الناس حين يظنون أن العزّة هي الغلبة، أو ارتفاع الصوت، أو كسب المعركة ولو بالباطل، بينما يقرر القرآن حقيقةً مغايرة: قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

فالعزّة الحقيقية ليست في الانتصار الدنيوي، بل في تقوى الله، وفي القدرة على الوقوف مع الحق ولو كان على حساب النفس.

وقد كشف القرآن نموذجًا خطيرًا من نماذج الانحراف النفسي والأخلاقي بقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ}.
إنها عزة زائفة، عزة مريضة، تدفع صاحبها إلى التمادي في الخطأ بدل الرجوع، وفي الظلم بدل التوبة، وفي البهتان بدل الاعتراف.

نرى في واقع الناس من إذا نُصح أو ذُكِّر بالله ثار غضبه، لا لأن النصيحة باطلة، بل لأن نفسه تأبى أن تُدان، فيلبس ثوب المظلوم، ويتقمص دور الضحية، ويُظهر نفسه صالحًا نقيًا، بينما هو في داخله يحارب الحق حتى لا ينكشف ضعفه أو خطؤه.

فيتمادى في الإثم، ويزيد في الكذب، ويُفسد العلاقات، ويظلم الأبرياء، فقط ليحافظ على صورة زائفة أمام الناس، يظنها عزًا وهي في حقيقتها هوان.

وما درى هذا المسكين أن عزّ المرء تقواه، وأن أكرم وأقوى موقف يفعله الإنسان هو أن يتقي الله، حتى لو كان الحق عليه، وحتى لو خسر سمعةً أو مكانةً أو مصلحة.

فمن اتقى الله رفعه الله، ومن تواضع للحق أعزه الله، ومن اعترف بذنبه كان ذلك بداية صلاحه لا سقوطه.

أما من عبد نفسه، وجعل هواه إلهه، فلن يرضى إلا بانتصار دنيوي زائف، ولو كان ثمنه ظلم الناس، وتشويه الحقائق، ومخاصمة الله قبل أن يخاصم الخلق.

وهذا نصر لا يدوم، وعزة لا تثبت، لأنها لم تُبنَ على تقوى، ومن لم يكن الله معه فلن تنفعه كل صور القوة.

فليعلم كل عاقل أن العزَّة ليست في أن نغلب الناس، بل في أن نغلب أنفسنا، وليست في تبرير الخطأ، بل في الشجاعة على تصحيحه، وليست في الإثم، بل في تقوى الله..
قال تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.