سيف الله وسيف رسوله ﷺ

عبد الرحمن بن محمد السبهان

"ما من ليلة تهدى إلي عروس أنا لها راغب بأحب لي من ليلة مطيرة شديدة البرد في سرية من المهاجرين أصبح فيها العدو"

  • التصنيفات: سير الصحابة -

خالد بن الوليد رضي الله عنه شخصية غير عادية في تاريخ الإسلام والمسلمين. فهو قبل الإسلام ابن الوليد بن المغيرة الذي صرف الناس عن الإيمان بالله تعالى وبكتابه حين قال بعد تفكير طويل وتعمق في ماذا يصف القرآن بعد ما حيرهم شأن القرآن من أين يأتي وكيف تأثير لا ينكر على من سمعه، وكان الوليد رجلا مسموع الكلمة في قريش وله رأي مقبول فكانت كلمته التي سجلها القرآن عليه (إن هذا إلا سحر يؤثر) ثم يأتيه الجواب اللائق بمثله (سأصليه سقر) 
ومن بيت هذا الرجل الذي حارب نبي الله صلى الله عليه وسلم، يخرج رجلان يحاربان عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ويدافعان عنه وعن دينه وكتابه المبين.

أما الأول فصار اسمه مقرونا بالضعفاء ونصرة الضعفاء والقنوت للضعفاء «اللهم  انج المستضعفين اللهم انج الوليد بن الوليد»  هكذا كان يدعو له النبي صلى الله عليه وسلم في قنوته في صلاة الفجر.
وهذا من عجائب حياة الرسل الأب عدو من الأعداء مذموم في القرآن والسنة، والابن صاحب من الأصحاب محمود في الكتاب والسنة. 

أما الابن الثاني فهو العلم الكبير، ورغم أن إسلامه تأخر عن إسلام أخيه الوليد، إلا أن شأنه أعجب. 
لأنك إذا عرفت قيمة خالد بن الوليد قبل أن يسلم، عرفت التضحية العظيمة التي قدمها من أجل أن يدخل في هذا الدين. 

فهو ابن رجل يذمه القرآن صباح مساء يتلى في المساجد ويحفظه المسلمون، وسيحفظه هو ويسمعه في صلواتهم وتلاوتهم،ولا يستطيع أن يعترض أو أن يغير شيئًا. 
وهذا أمر في غاية الصعوبة أن تسمع ذم والدك أو أن تقرأ ذمه وتحفظه وتحفظه لأولادك، بل وتؤجر على ذلك وتزداد حسناتك كلما أكثرت من ذلك.
هذا أمر شاق على النفس وقد تجاوزه خالد رضي الله عنه. 

الأمر الثاني في معرفة قيمة التضحية التي قدمها خالد ليصبح من المسلمين. 

فخالد هو قائد خيل قريش وصاحب قبتها، وفارسها الأول ومقدمها في الحرب والقتال، فهو يعيش المجد من كل أطرافه. وهو في نفس الوقت يعتبر ظاهرًا القائد المقابل للنبي صلى الله عليه وسلم الذي يقود المسلمين في سلمهم وحربهم.

ثم يتنازل عن كل هذا ليكون جنديًا في الجيش الذي كان يقود الحرب ضده. ويصبح يتلقى الأوامر بعد أن كان يلقيها. وينفذ الخطط بعد أن كان هو من يرسمها. 

هذا شأن عجيب آخر من أعاجيب شأن خالد بن الوليد. 

وهذا يدل على صدق نيته وحقيقة رغبته في الدخول في هذا الدين، وهذا أمر متكرر في صحابة رسول الله، لا بد أن تجد أحدهم قد ضحى بشيء أو تنازل عن شيء يملكه لكي يدخل في هذا الدين. 

خالد بعد وفاة رسول الله لم يمكث في المدينة إلا قليلًا، بل إنه من حين ما خرج لحروب الردة لم يعد إليها، فهو أولًا كان في بعث جيش أسامة بن زيد، ثم بعد ذلك بدأت المرحلة الأهم في حياته، فصار رجل المرحلة في وقتها، وصار رجل أبي بكر الصديق يبعث من مكان إلى مكان أخطر منه، ومن قوم أشداء إلى من هو أسد منهم، فبدأ بطليحة الأسدي ومالك بن نويرة ثم أهل اليمامة، ثم بعد ذلك إلى العراق رفقة المثنى بن حارثة، ثم الرحلة المدهشة في الانتقال من العراق إلى الشام في خمسة أيامه، ثم القيادة الكبرى لمعركة اليرموك وتوحيد القيادات المتفرقة تحت قيادته وتحقيق الفتح على يديه.

وفي نهاية المطاف يقول "ما من ليلة تهدى إلي عروس أنا لها راغب بأحب لي من ليلة مطيرة شديدة البرد في سرية من المهاجرين أصبح فيها العدو".

أمام هذه الكلمة تتهاوى كل أحزان الحياة، وتتضاءل حتى لا تكون شيئًا أمام هذه الهمة التي لم تفكر في شيء من أماني الحياة الأخرى التي يراها البعض غاية المنى وفلك الحياة وركن السعادة والراحة.

كم هي صغيرة أمانينا الدنيوية أمام أمنية سيف الله وسيف رسوله.

رضي الله عن خالد بن الوليد.