المكر المجوسي
لم يكن الحضور الإيراني في المنطقة يومًا حضورًا عفويًا أو عابرًا، بل هو نتاج مدرسة سياسية قديمة تقوم على المكر الاستراتيجي.
- التصنيفات: أحداث عالمية وقضايا سياسية -
لم يكن الحضور الإيراني في المنطقة يومًا حضورًا عفويًا أو عابرًا، بل هو نتاج مدرسة سياسية قديمة تقوم على المكر الاستراتيجي. لكن هذا المكر لم يكن محايدًا ولا أخلاقيًا، بل اقترن في التجربة المعاصرة بالخبث السياسي المنظَّم، القائم على التغلغل بدل المواجهة، وعلى تفكيك الدول بدل الاصطدام بها.
فالسياسة الإيرانية لا تتقدّم عادةً بالدبابات، بل بالوكلاء، ولا تفتح الجبهات الصريحة إلا بعد أن تضمن أن أرض المعركة مفخخة من الداخل، بخاصة بعد حربها مع العراق في الثمانينيات التي استنزفتها ماديًا وبشريًا. إنها سياسة تقوم على إضعاف الخصوم من داخلهم، عبر صناعة الميليشيات، وتغذية الانقسامات الطائفية، وتحويل الدولة إلى ساحة نفوذ متنازع عليها بدل أن تكون كيانًا سياديًا متماسكًا.
وحين تُقرع طبول الحرب ويحلّ بها الخطر، لا يكون هدف طهران الحسم العسكري، بل إدارة الفوضى حتى تتحول إلى ورقة تفاوض. فالتصعيد عندها ليس نهاية الطريق، بل وسيلة للعودة إلى الطاولة بشروط أفضل. إنها تجيد اللعب في المنطقة الرمادية بين الحرب والسلم؛ فلا تنهي الصراع، ولا تسمح بحسمه، بل تُبقيه مفتوحًا بما يخدم مشروعها التوسعي.
لقد ظهر هذا النهج بوضوح بعد سقوط نظام البعث في العراق عام 2003، حيث لم تدخل إيران الحرب رسميًا، لكنها كانت المستفيد الأكبر من فراغ السلطة، فتمدّد نفوذها عبر ميليشيات مسلّحة أعدّتها مسبقًا لهذه المرحلة، حتى أصبحت لاحقًا جزءًا من معادلة الحكم. وكذلك تكرّر المشهد نفسه في أفغانستان عندما استغلت رغبة أمريكا في إسقاط نظام طالبان، فبهذا الدهاء والمكر السياسي الخبيث أسقطت عدوين لدودين على حدودها من غير أن تحرّك جنديًا واحدًا أو تصرف تومانًا إيرانيًا واحدًا من خزينتها!
المشهد ذاته تكرّر بأشكال مختلفة في أكثر من ساحة عربية، حيث تحوّل التدخل الإيراني إلى شبكة نفوذ عابرة للحدود، لا تُدار من السفارات بقدر ما تُدار من غرف العمليات الأمنية والعقائدية.
هذا النمط لا يعكس دهاءً سياسيًا فحسب، بل استثمارًا ممنهجًا في الأزمات؛ فكلما انهارت دولة وُلدت فرصة، وكلما اشتعل نزاع فُتح ممر نفوذ جديد. إنها سياسة لا تبحث عن استقرار المنطقة، بل عن بيئة مضطربة يمكن التحكم بها، لأن الفوضى بالنسبة لهذا النموذج ليست خطرًا بل أداة.
واليوم، بعد سنوات من هذا التمدد، بدأت قوى دولية وإقليمية تدرك أن ترك الساحة لهذا النوع من السياسات لم يُنتج توازنًا، بل ولّد شبكة أزمات ممتدة. فالمشكلة لم تعد في نفوذ تقليدي، بل في بنية تدخل تقوم على إضعاف الدول من الداخل، وربط قرارها الوطني بمراكز خارج حدودها.
وهكذا، فإن الحديث عن “الدهاء السياسي” هنا لا يُقصد به الحنكة المحمودة، بل القدرة على إدارة التخريب بذكاء، وعلى تحويل الصراعات إلى استثمارات طويلة الأمد. وهذا هو جوهر الخبث السياسي حين يتحول من مهارة دبلوماسية إلى مشروع نفوذ يقوم على إنهاك المنطقة بدل بنائها.
ولكن هذا الخبث لم يعد ينطلي على أحد، وأدرك الجميع، الأصدقاء والأعداء، أن مصلحة الجميع في إضعاف وإزالة هذا النظام من خارطة المنطقة وفق التوازنات الجديدة.
وليس حبًا بأمريكا، ولكن الفوضى أحيانًا تكون فرصة ذهبية لإعادة ترتيب أوراقك وأولوياتك وتموضعك من جديد.
