هل "الصفر اللغوي" نظرية؟!!

محمد جلال القصاص

ما الجديد عند الدكتورة سناء البياتي؟!
لا شيء سوى أنها أدخلت تسمية جديدة (الصفر اللغوي) على أحد هذه المراحل (مرحلة النطق/ التلفظ).

  • التصنيفات: قضايا إسلامية معاصرة -

 

مؤخرًا انتشر حديث للدكتورة سناء البياتي عن "الصفر اللغوي"، وفي أحد البرامج الحوارية (برنامج مجتمع) حدثت حالة من الاحتفاء الكبير بما تقول. تقول: نظرية لغوية جديدة.. ويقولون ثورة في فهم اللغة العربية!!
فهل حقًا "الصفر اللغوي" نظرية؟، ويُحدث ثورة في فهم اللغة العربية؟

تأتي المعارفُ (المدركات) الإنسانَ بوسائل الحس المختلفة (كالسمع، والبصر، والشم، واللمس،،،) فتتحول بداخله إلى صورة، ولابد. وذلك أن الإنسان لا يفكر إلا في صورة وإن لم تكن في خاطره من قبل اصطنعها (يتخيلها)؛ ثم يفكر في الصورة جيدًا؛ ويحدث من هذا التفكير عزم على شيء ما: إيجابًا أو سلبًا. وكل هذا بالداخل لا يراه غيره. وحين يشتد العزم- في الداخل- يتولد قول وفعل، أو أحدهما. بمعنى أن كلَّ قولٍ أو فعل سبقه: الإدراكُ، والتصورُ، والتفكيرُ في الصور، ثم العزمُ الداخلي.

وقد عرف القدماء هذا الأمر وتحدثوا عنه، ومثلًا: قَسّم علماءُ العقيدة أقوال الإنسان وأفعاله إلى ثلاثة مراحل: اثنان بالداخل، وهي: قول القلب ويقصدون بها الإدراك وما يلحقه من تصور وتفكير في الصور؛ وعمل القلب، ويقصدون به ما يتولد في القلب من عزم على الفعل أو الترك؛ والمرحلة الثالثة في الخارج، وهي فعل الجوارح: سواءً قول اللسان أم عمل غيره من الجوارح.

وعلماء اللغة يعرفون هذا التقسيم جيدًا، يقولون: التقاط المعنى وصياغته داخليًا حسب حال من يلتقط (خطيب، أديب، شاعر، نحوي، سياسي، عامي،،،،) ، ثم النطق أو الفعل.

وقد نبت اللغويون حول النص الشرعي (الكتاب والسنة)، وكانت بدايتهم من ضبط اللفظ ليوافق المعنى خوفًا من الأعاجم، فكانت النحو وأهله. وانتهى أمرهم في ناحية من النص، فلم يستطع أكثر من ضبط الحركة على اللفظ لتكون كما تلاها علينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم؛ ثم جاء أهلُ البلاغة يبينون للناس "دلائل الإعجاز" في اللفظ والنظم؛ واتسعت الساحة البيانية وكثر الجدال فيها، ومن أشهر ما تجادلوا فيه: العلاقة بين اللفظ والمعنى، وظلّ هذا الجدال قائمًا إلى وقت قريب، فقد شارك فيه "سيد قطب" شابًا، وقاده التفكير في اللفظ والمعنى إلى رائعة التي لا زالت تشدو في كل مكان، وهي "التصوير الفني في القرآن الكريم" بعد أن لجأ إلى عبد القاهر الجرجاني يستنطقه في علاقة اللفظ بالمعنى، وقد شرح ذلك وبينه في مقدمة كتابه (التصوير الفني في القرآن الكريم). وهي ذات المنطقة التي تقف فيها الدكتورة سناء اليوم. تقول أنها قادمة من عند الجرجاني، والحقيقة أنها مرت بسيد قطب وارتوت منه وما تصبه علينا من عبق البيان من عند سيد وليس الجرجاني فقط. 

يتجادلون حول اللفظ والمعنى ولو تأملوا ما وصف الله به الإنسان في كتابه من صفات سلبية (كفور، كنود، هلوع، جزوع، منوع، قتور، قنوط، ظلوم، مختال، فخور، خصيم،،،) لعلموا أن ما يحتدم بالداخل (المعنى) قد لا يتوافق مع الخارج (اللفظ والفعل) عمدًا، فالمراحل لا تسلم بعضها اضطرارًا، وإنما: بعد أن يدرك الفرد ويفهم جيدًا قد تأتيه موانع  فتدفعه لقولٍ وفعلٍ يخالف ما استقر بخاطره. فالإنسان لا يتحرك تبعًا لما يعرف بل- ربما- تبعًا لشهواته الجسدية والنفسية، أو تبعًا لما حوله من أعراف في بيئته، وتدبر: ﴿وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ (النمل: من الآية14)، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 213)، فالجحود جاء بعد اليقين بسبب الظلم والطغيان، والاختلاف جاء بعد العلم بسبب البغي. كان على أهل اللغة أن يتحدثوا عن المراحل ومعها الموانع. ليعلم حال الإنسان وكيف أنه لا يستقيم حاله إلا بجهدٍ جهيد في تحصيل الصواب ومدافعة الموانع.

وحضر أهل التنمية البشرية وتحدثوا بإسهاب عن هذه المراحل، فقبل ثلاثة عقود عَقَدَ الدكتور إبراهيم الفقي عددًا من المحاضرات لشرح هذه المراحل الثلاث بتفصيل، فتحدث عن: الإدراك، والتصور، والتفكير، والتركيز، قبل القول أو الفعل.   

ما الجديد عند الدكتورة سناء البياتي؟!

لا شيء سوى أنها أدخلت تسمية جديدة (الصفر اللغوي) على أحد هذه المراحل (مرحلة النطق/ التلفظ).
لم تكتشف المراحل، فهي معروفة والحديث عنها حاضر لا يغيب، وفي أكثر من تخصص، كما مرّ.

إن أغلب التغيرات (وليس التطورات) التي تحدث في حقل معرفي معين إنما تحدث من دخول تخصصات أخرى عليه. تحدث تغييرًا (عبثًا في الغالب) لا تطويرًا، وذلك أن هذا الوافد من الخارج إنما يأتي بأدوات معرفية خاصة (منظورات/ مقولات/ مفاهيم) ويتعامل من خلالها، وهنا يأتي بشيء ثالث يتولد من معالجة الحقل الجديد بأدوات الحقل القديم، كأنه تزاوج بين حقولٍ معرفية مختلفة. وهذا ما حدث من الدكتورة سناء البياتي، فقد كانت محبة للرياضيات (الحساب)، وظلت الرياضيات متكئة بخاطرها، فراحت تنظر للأشياء من خلال الأرقام وتفاعلات الأرقام مع بعضها، فرأت النحوَ عمليات حسابية- كما تذكر هي- ثم نَظَرَتْ للمراحل التي يتكون منها القول (أو الفعل) على أنها تدرج يضاهي تدرج الأرقام من السالب إلى الموجب والصفر(Zero فاصل بينهما، فخُيِّل إليها أن السالب في الباطن (مختفي) تحت الصفر، ثم يظهر للعلن بعد أن يمر بالصفر، فراحت تنقل هذا المعنى للبيان. ظنت أن النطق كالصفر فاصل بين الداخل والخارج!!

غاب عنها أن الصفر لا علاقة له بما قبله ولا بما بعده.. منطقة محايدة تمامًا، فهو علامة على نفسه، بخلاف النطق فليس صفرًا، لأنه شيء إيجابي، ومرتبط كليةً بما قبله.. وافقه أم لم يوافقه. بمعنى أن المراحل متماسكة. ولذا فإن "الصفر اللغوي" لا يعد نظرية تفسيرية أو تأسيسية، ولا حتى مفهومًا أو مصطلحًا!!

هل تراه (أي الصفر اللغوي) يرصد غائبًا عن العين أو الخاطر ويفسره؟! كما هو الحال في النظرية (أي نظرية)؟ وكما هو الحال فيما دون النظرية (أعني المقولات التفسيرية، أو المفاهيم والمصطلحات)؟!
أبدًا. إلا أن نمرره كتعريف إجرائي، وحتى هذه لو دققنا فيها فسنجد أن لا حاجة لنا به.

المبهر هو لغة القرآن.. البيان القرآني، وظني أنه لم يكتشف كله للآن، فكل يغرف (من البيان القرآني) قدر طاقته.. وهو كما هو. وقد استعرَضت (أي سناء البياتي) في الحوار "التصوير الفني في القرآن الكريم"، هذا الذي فتح الله به على الأستاذ سيد قطب، فهو أول من تحدث عن أن القرآن الكريم يعرض مشاهد حية (فيديو كما تسميها). ومن قرأ سيد يعرف جيدًا أنها لم تخرج عنه.

د. محمد جلال القصاص