رواء مكة المكرمة...(الحلقة الثالثة)

محمد بوقنطار

حين يعانق الجسد الحجر ويخبت القلب...(الحلقة الثالثة)

  • التصنيفات: التاريخ والقصص -

 

أي سر وراء هذا البك والازدحام والتقصف المتكاثف المرصوص البنيان، العرم الدفق؟؟!، أي سر وراء هذا التحلق والالتفاف الغريب والدوران والطواف الذي لا ينقطع سيله المرسل على بدء متكرر؟؟!، أي سر وراء هذه المحبة الطافحة التي تشاهد لأواصرها ترجمة وتشخيصا عجيبا؟؟!، فترى الشاب الجعد المقبل على الحياة على الإلف والعادة قد ألصق جسده على ستار الكعبة في غير نية انفكاك، يبكي ويصرخ موحدا ربه على جدارها منتقلا بقوة وإصرار غريب بين ركنها اليماني وحجرها الأسعد، يبكي بكاء متصلا، فلا يكاد يغادر هذا الوضع إلا تحت طائلة تدافع شديد يأتي جراره على العصبة من الطائفين من أولي القوة...
يا للفرح إن هذا التزاحم هو ترجمة فعلية لتسمية الرب وإطلاقه سبحانه على مكة لفظ بكة وهي يومها واد قفر موحش وذلك على غير المعهود في أدبيات لسان الأميين، إنها ترجمة صادقة واستجابة لدعوة خليل الرحمن أب الحنيفية السمحة الموحدة المائلة عن الشرك صغيره وكبيره، وقد قال عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم:" {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} ".
فكم من فؤاد هوى ويهوى وسيهوى، وكم من راكب إليه مسافر على كل ضامر، أو على متن محرك طائر، أو على ظهر مركب جار عابر لبحار ومحيطات، أو حتى راجل قاطع لفيافي وجبال وأودية وأنهار، وتلك سنة الله ماضية في صبغة مهوى الناس لهذا المكان، وستبقى كذلك إلى آخر نفس منفوسة، وليس كمها، ولا كيف مريديها محتاج لاستشهار حتى يقاد الناس إليه، أو إلى إذاعة إغراء ليساق البعداء إلى حرمه، وإنما هو حب متوارث وميل مشهود لا يتماهى ضد سيله المبارك إلا المحروم الكنود نعوذ بالله من خذلان وجحود جنس الإنسان...
إنني وأنا أنهي طواف عمرتي الأولى صرت للتو أدرك في دائرة اليقين أن هذا التدافع لم يكن مجرد ازدحام أقدام مهرولة في دوران طقوسي حار فحسب، بل اكتشفت ذوقا أنه تزاحم أفئدة وقلوب قد أناخت رحلها على باب واحد لا ثاني له، وهي في إلحاحها وإصرارها تدرك أنه باب متى ما فتح، انكسرت الأبواب من دونه، وتلاشت المسافات إلا من قربه وعنديته، وسقطت الأثقال وصارت الأوزار هباء منثورا في حضرته، ليبقي القلب وحده… مهديا يعرف طريقه ويهدى إلى سبيل ربه على إنابة وصدق إخبات ومأمول عودة وتكرار زيارة وراء أخرى...

ولقد أدركت قبل الحلق والتحلل من إزار الإحرام أن الناس وأنا معهم لا نجيء إلى هاهنا صدفة أو تحت طائلة عفوية صرفة، بل تُساق قلوبنا سوقا لا قسر فيه يعيب معطى الرضى، ولا احتمال يحيل على نداء مسموع يجر الناس من آذانهم في غير مقصود ولا وجهة، وإنما السر في هذا قد كان وما فتئ وراءه مفعول وسطوة ذلك النداء القديم الذي ما يزال صداه يتردد بيننا وسيبقى بإذن الله وأعني به صدى قوله تعالى نقلا وتخبيرا عن دعوة خليله المستجابة الالتماس من سيده ومولاه سبحانه وتعالى:
" {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} ".
...يتبع بإذن الله