يا قوم اتبعوا المرسلين

أكَّدوا تلك الرسالةَ وأنهم ليسوا بكاذبين، وأنهم أهلُ صدق، وإنما وظيفتُهم أن يُبلِّغوا رسالاتِ الله، وأنهم إن لم يُؤخَذْ بما قالوا فإنما يخشَون الله، الذين يخشَون الله حقَّ خشيته، أولئك هم الرسل الذين بعثَهم...

  • التصنيفات: القرآن وعلومه -

إن الله -جل جلاله- ضربَ الأمثالَ في القرآن، وجعلَ في القرآن من كلِّ شيءٍ مثلًا، ضربَ المثلَ لعبوديته الحقّة وعبوديةِ الآلهةِ الباطلة، وضربَ مثلًا لرسله، وضربَ مثلًا للحقِّ والباطل، وضربَ مثلًا لما جعلَ الله -جل وعلا- عليه الأممَ السابقة، ضربَ الأمثالَ لتكونَ عظةً وعبرة، ولكن الأمثالَ إنما يعقلها من تفكَّرَ وعلم؛ {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]، {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]؛ فالله -جل جلاله- نوَّعَ الأمثالَ لنتفكَّرَ ولنتَّعظَ ولنعتبر. ومن أعظمِ الأمثالِ التي ضربَها الله -جل وعلا- في هذا القرآن، جعلَها مثلًا لنتدبَّرَها ولنعيَ ما فيها، أمثالُ قصصِ الأنبياءِ والمرسلين؛ {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى} [يوسف: 111]، وإن من تلكم القصص، وتلكم الأمثال قصةَ تلك القرية التي بعثَ الله -جل وعلا- إليها رسلًا، قال -سبحانه-: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [يس: 13-17].

لقد جاءَ الله -جل وعلا- تلك القريةَ برسلٍ هم أكرمُ الخلقِ عليه، برسلٍ هم كريمون عليه، مقدَّمون عنده -جل وعلا- بما حباهم به؛ {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68].

لقد أرسلَ الله رسولَيه إلى تلك القرية لتعظمَ الحجةُ عليهم، وليكونوا على بيِّنةٍ من عِظمِ هذا الأمر الذي جاءت به الرسل، أرسلَ الله إليهم اثنين فكذَّبَ هذين الاثنين أهلُ القرية أشدَّ تكذيب؛ فعزَّزَ الله -جل وعلا- أولئك برسولٍ ثالث، وقال الرسلُ جميعًا: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ}.

أكَّدوا تلك الرسالةَ وأنهم ليسوا بكاذبين، وأنهم أهلُ صدق، وإنما وظيفتُهم أن يُبلِّغوا رسالاتِ الله، وأنهم إن لم يُؤخَذْ بما قالوا فإنما يخشَون الله، الذين يخشَون الله حقَّ خشيته، أولئك هم الرسل الذين بعثَهم الله -جل وعلا-، بعثَهم الله لإنقاذِ الناس، أرسلَ الله -جل وعلا- هؤلاء الثلاثة؛ فقالوا لأصحابِ القرية: {إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ}، وماذا كان جوابُ أصحابِ القرية؟ قالوا: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} [يس: 15].

لقد منعهم من التصديق أن أولئك الرسلَ كانوا بشرًا، أرادوا أن يكونوا ملائكة، ولو كانوا ملائكة؛ فكيف سيفهمون عنهم، وكيف يعقلون كلامهم؛ {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9].

إن أولئك رفضوا الحقَّ بشبهةٍ في ظاهرِها قد يعتذرُ بعضُهم إلى بعضٍ بها، ولكنها في الحقيقة ليست بشيء، وهكذا دائمًا أصحابُ الشبهات يُوقِعُ الشيطانُ في قلوبهم الشُّبَه، فيقنعهم أنها شبهةُ حقٍّ وأنهم لو أتاهم الحقُّ واضحًا لقبلوا ذلك، مع أن البيِّنات كانت كافية، وكانت باقية، وكانت واضحةً جليَّة، فإن أولئك المرسلين جاءوا من عندِ الله بالآياتِ والبراهين الدالَّة على صدقِهم، المؤيَّدة لدعواهم الرسالة، وكفى بذلك حُجَّةً لمن سلِمَ قلبُه، لكنهم أرادوا أن يكون الرسلُ من الملائكة، وتلك شبهةٌ ألقاها الشيطانُ في قلوبهم.

إن الناس يحتاجون إلى رسلٍ من البشر يُعلِّمونهم بلسانهم، ويقتدي الناسُ بهم حتى يكون الدينُ متمثِّلًا أمامهم في بشرٍ يمشون به ويروحون به ويجيئون؛ {قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}، كذَّبوا بإنزالِ الله -جل وعلا- الكتبَ عليهم؛ {قَالُوا مَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ}.

حصروا أولئك في الكذب، وكأن الكذبَ لم يتعدَّهم، وكأن الكذبَ متمثِّلٌ فيهم لا يعدوهم،

{إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} ؛ فكان جوابُ أهلِ الحقِّ الثابت، الذين يدلُّون بالحقِّ ويُعلِّمونه، بكلمةٍ واضحة، قال الرسل: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ}.

وكفى بشهادةِ الله شهادة؛ وهل يكون الرسولُ الذي أرسله الله وأيَّده بالمعجزات كاذبًا؟ إن الذي يدَّعي الرسالة لا يلبث أن يُعاقَب، إن من ادَّعى رسالاتِ الله في التاريخ لا بد أن تحيقَ به العقوبةُ سريعًا، وأما من يقول: إني مرسلٌ من عندِ الله ومؤيَّدٌ من عندِ الله بالحجج والآيات والبراهين، ثم الله يؤيِّده على خصمه وينصره ويقوِّي حجَّته، فإن ذلك دليلٌ على صدقِ رسالته، وإن ذلك دليلٌ على أن الله -جل جلاله- بعثَه مرسلًا إلى الناس؛ {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}.

وأما من صدَّ عن الحق ولم يقبل الحقَّ الذي جاءت به الرسل، ووجد حرجًا في نفسِه من كلامِ الرسل، ومن كلامِ من اصطفاهم الله -جل جلاله-، فإن أولئك البلاءُ في أنفسهم وليس البلاءُ في الحق، البلاءُ في شهواتهم وشبهاتهم، وليس البلاءُ فيما أنزلَ الله وفيما بلَّغته الرسلُ من عندِ الله، ورسلُ الله صادقون مصدَّقون لا ينطقون عن الهوى، قالت الرسل: {وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}، فماذا كان جوابُ أولئك الذين كذَّبوا الرسل؟

{قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ} ؛ تطيروا بهم، قالوا: إن سببَ ما جاءَنا من الشر وسببَ ما جاءَنا من البلاء إنما هو من جهتِكم؛ {إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} ؛ فكان جوابُ الرسل، جوابَ المطمئنِّ إلى الله، الذي أنِسَ بما عند الله، المصدِّقِ بوعدِ الله، قالت الرسل: {طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [يس: 19].

يعني أتقتلوننا لأجلِ التذكير بالله وبسُنَّةِ الله وبالصدعِ بما أنزلَ الله في كتابِه؟ {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ}، وهكذا كلُّ من خالفَ الرسل من الذين اتبعوا شهواتهم، واتبعوا شبهاتهم، إن أولئك دائمًا حجتُهم من جنسِ تلك الحجة؛ {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53].

ثم بيَّن الله -جل جلاله- وظيفةَ رجلٍ من المؤمنين آمنَ بما جاءت به الرسل، قال -سبحانه-: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20]، قال المفسرون في قوله: {مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ} ؛ ما يشعرُ بأنه ليس من أغنياءِ الناس بل من فقرائهم.

قال: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: 20-21]؛ إن من أدلَّةِ صدقِهم أنهم مهتدون، وأنهم لم يسألوا الناس أجرًا.

وكذلك تكون تلك الهدايةُ لكل من اتبعَ الرسل، قال الله -جل وعلا- مخبرًا عن قولِ ذلك الرجل الصالح: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22]، وقال -تعالى-: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108]، وقال: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.

ثم قال: (إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)؛ فقيل له: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ)، قال: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}، ثم قال -تعالى-: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}.

أيها المؤمنون: إن في قصصِ القرآن لعبرة، وإن الدعوةَ الصالحةَ الناجحة لا بد أن يكون فيها التدبُّرُ في سننِ الله، وفي قصصِ القرآن، وفي دعوةِ الأنبياءِ والمرسلين، لأن من أخذ بدعوتهم، من أخذ بدعوةِ المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، من أخذ بسُنَّته فإنه على نجاحٍ في دعوتِه، ولو لبثت دعوتُه ما لبثَ نوحٌ في قومِه؛ {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا} [العنكبوت:14].

أسألُ الله -جل وعلا- أن يجعلَنا من أتباعِ نبيِّه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، ومن الذين يُحشرون تحت لوائِه، ويردون حوضَه، فيسقون منه شربةً لا يظمؤون بعدها أبدًا.

 

عباد الله: هذا وإن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بالجماعة، عليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، عليكم بالجماعة؛ فإن يد الله مع الجماعة، وعليكم بلزوم تقوى الله؛ فإن بالتقوى فخاركم ورفعتكم عند لقائكم لربكم؛ فاتقوا الله حق التقوى بتعظيمكم أمره وإجلالكم له بالسر والعلن؛ فإن في ذلكم الفوز العاجل والآجل.

هذا واعلموا -رحمني الله وإياكم- أن الله -جل جلاله- أمرنا جميعًا بأمر جليل بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته، ومصلحته عائدة لنا؛ فقال -جل وعلا- قولاً كريمًا: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا} [الأحزاب:56].

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

____________________________
الكاتب: صالح بن عبد العزيز آل الشيخ