مِيزَانُ اليَوْم
لعلَّ من أدقّ ما يُغفل عنه الإنسان في زحام أيّامه، أنّ اليوم ليس وعاءً للأحداث فحسب، بل مِيزانٌ دقيق، تُوزن فيه النيّات قبل الأعمال، وتُحصى فيه الخواطر قبل الخطوات.
- التصنيفات: نصائح ومواعظ -
لعلَّ من أدقّ ما يُغفل عنه الإنسان في زحام أيّامه، أنّ اليوم ليس وعاءً للأحداث فحسب، بل مِيزانٌ دقيق، تُوزن فيه النيّات قبل الأعمال، وتُحصى فيه الخواطر قبل الخطوات.
فنحن نتقلّب في ساعاتٍ معدودة بين أحوالٍ شتّى؛ انشغالٍ وفراغ، سرورٍ وكدر، نشاطٍ وفتور، وكلّ ذلك يجري تحت سمع الله وبصره، لا يغيب منه التفاتةُ قلبٍ ولا تنهيدةُ تعب.
وإذا تأمّل المرء يومه، رأى كيف يسوق الله إليه تفاصيل لم يحتسبها، ويصرف عنه أمورًا لم يشعر بخطرها، ويغمره بنِعَمٍ خفيّةٍ لو كُشف له بعضها لخرَّ شكرًا. غير أنّ كثرة الحركة تُلهينا عن رؤية هذا اللطف المتتابع، فنحسب اليوم مجرّد ضغطٍ أو ملل، وننسى أنّه ساحةُ ابتلاءٍ وفرصةُ ربح.
فالفراغ الذي يُسمّى مللًا، قد يكون باب خلوةٍ عامرة لو أُحسن استثماره، والانشغال الذي يُسمّى ضغطًا، قد يصير عبادةً ممتدّةً لو صَحِبتْه نيّةٌ صادقة.
وما بين هذا وذاك، يمضي اليوم على الناس جميعًا، لكنّه لا يترك في صحائفهم الأثر ذاته.
ثَمَّ من يُفرّط فيه حتى ينقضي بلا معنى،وثَمَّ من يملؤه حركةً لا وجهة لها، وثَمَّ من يجعل كلّ لحظةٍ فيه تجارةً مع الله؛ يستعين به إذا ثقل، ويشكره إذا يَسَّر، ويستغفره إذا زلّ، ويُسارع إلى الطاعة متى لاح بابها، ويُعرض عن المعصية إذا أطلّت كأنّه لم يرها.
وهنا يظهر الرابح حقًّا؛
ليس من خلا يومه من التعب، ولا من امتلأ بالإنجاز الظاهر، بل من عبد الله على حاله كلّه، وجعل تقلّب مشاعره، وتبدّل ظروفه، مادّةً للقرب لا للغفلة.
فالميزان ليس في صورة اليوم، بل في وجهته.
ومن وُفّق لأن يجعل يومه لله، خرج منه وقد رُبح، وإن ظنّ الناس أنّه كان يومًا عاديًّا عابرًا .
