رمضان مَحَطَّةُ وُقودِ الأَرواح

لعلَّ من أبدع ما يُقرِّب إلى الفهم معنى رمضان، أن يُنظر إليه لا بوصفه زمنًا عابرًا في تقويم الأيام، بل بوصفه محطَّةً تُستأنف فيها المسيرة، وتُستعاد فيها القوّة بعد طول استهلاك.

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان -

لعلَّ من أبدع ما يُقرِّب إلى الفهم معنى رمضان، أن يُنظر إليه لا بوصفه زمنًا عابرًا في تقويم الأيام، بل بوصفه محطَّةً تُستأنف فيها المسيرة، وتُستعاد فيها القوّة بعد طول استهلاك.

فإنّ الأرواح – كما الأجساد – تسير، وتكدّ، وتُرهَق، غير أنّ وقودها ليس مادّةً تُرى، بل معنى يُستشعَر، ونورٌ يُستمدّ.

نتأمّل المركبات تمضي في طرقها لا تلتفت، فإذا نفد وقودها خمدت حركتها فجأة، وانطفأ اندفاعها، لا عن عجزٍ في صُنعها، بل لنفاد ما يُسيّرها.

وفي امتداد العام، تمضي الأرواح في أسفارٍ شتّى؛ بين همٍّ يطرقها، وشاغلٍ يزاحمها، وزخرفٍ يستهويها، حتى يبهت بريقها شيئًا فشيئًا، وتغدو كالمصباح الذي أكلت زيته الليالي، فلم يبقَ فيه إلا قبسٌ ضعيف، يكاد أن يخبو عند أوّل نفخة غفلة.
لولا أن يكرمها الله بموسمٍ يُعيد ترتيب الداخل قبل الظاهر.

وهنا تتجلّى حكمة الله في التوقيت؛ فليس رمضان طارئًا على المسير، بل آتٍ في اللحظة التي يشتدّ فيها العطش، ويثقل فيها الحمل، ويضعف فيها الإقبال.

كأنّ الروح تبلغ حدَّ الانطفاء، فتأتيها رحمة ربانية تعيد إليها اشتعالها، وتسكب في أوصالها وقودُ الإيمان سكبًا، لا قطرةً عابرة.

وليس الأمر تعبئةً عارضة، تُنعش ساعةً ثم تنقضي، بل هو إعادة تشكيلٍ للبوصلة، وتصحيحٌ لاتجاه السير؛ إذ يمتلئ القلب بما ينبغي أن يمتلئ به، بعد أن ازدحم طوال العام بما لا يُغني.

فكم من معنىً كريمٍ ضاق به الصدر، وكم من شاغلٍ تافهٍ اتّسع له المكان! حتى إذا أقبل رمضان، أعاد ترتيب الأولويّات في الداخل، فصار الذكر مُقدَّمًا، والقرآن أنيسًا، والدعاء لغةً يوميّةً لا استثناء فيها.

وهكذا يتبيّن أنّ رمضان ليس زيادةً في الرصيد فحسب، بل إنقاذٌ من الإفلاس، وليس نافلةَ زمنٍ، بل ضرورةَ مسير.
فمن لم يتزوّد فيه، طال عليه الطريق، ومن لم يُحسن الوقوف عند محطّته، عاد إلى عامه وقلبه على حاله الأولى، أو أشدّ فراغًا.