ماذا لو تعارض الحساب الفلكي مع الرؤية الشرعية؟
- التصنيفات: ملفات شهر رمضان -
أ.د محمد إبراهيم العشماوي
ماذا لو تعارض الحساب الفلكي مع الرؤية الشرعية؟
بقلم: خادم الجناب النبوي الشريف
محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف
في قول الله تعالى: "يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج"؛ ما يدل على أن الشهور القمرية تعرف أوائلها برؤية الهلال، وهو القمر حين يبدو دقيقا، ثم يمتلئ، ثم يتقلص، ويمر القمر بثماني مراحل، إذ يولد على شكل هلال لامع ضئيل، ويتعاظم حجمه وسطوعه، إلى أن يصير بدرا، وعندها تبدأ مرحلة الانحدار والتقلص، حتى يعود كالعرجون القديم، ثم يغمره الظلام!
وتشير الآية الكريمة أن الحكمة من خلق القمر على هذه الأطوار؛ أن يكون مواقيت للناس، والحج، يعني معرفة بدايات الشهور القمرية، التي تتعلق بها الأحكام الشرعية، كالصوم والفطر والحج والزكاة وعِدَد النساء وآجال الديون ونحو ذلك!
ومما ورد في السنة النبوية المشرفة، مما يدل على كون الأحكام الشرعية المؤقتة بمواقيت زمنية؛ متعلقة برؤية الهلال؛ قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن أغمي عليكم فاقدروا له"، وفي رواية: "فاقدروا له ثلاثين"، وفي رواية: " «إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له» "، وفي رواية: "فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين يوما"، وفي رواية: " «فإن غمي عليكم فأكملوا العدد» "، وفي رواية: "فإن عمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين"، وفي رواية: "فإن أغمي عليكم فعدوا ثلاثين".
وهذه الروايات كلها في صحيح مسلم، على هذا الترتيب، وفي رواية للبخاري: " «فإن غَبِيَ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين» ".
فأفاد الحديث برواياته أن الصوم والفطر متعلق برؤية الهلال أو عدمها، لا غير، وفي حالة عدم التمكن من الرؤية، لسبب أو لآخر، كوجود غيم ونحوه؛ فلا بد من إكمال عدة الشهر ثلاثين!
ومعناه: حتى لو ولد الهلال في السماء، لكنه لم يُرَ في الأرض؛ لأن العبرة برؤيته في الأرض، لا بولادته في السماء!
والمراد برؤية الهلال ما هو أعم من رؤيته بالعين المجردة، أو رؤيته بالأجهزة الحديثة، كالتلسكوبات الفلكية!
وقد زعم بعضهم أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "فاقدروا له"؛ الحساب الفلكي، المعتمد على المعادلات والتقديرات، وقد ناقش الإمام النووي هذا الرأي مناقشة علمية، فقال:
"واختلف العلماء في معنى "فاقدروا له"، فقالت طائفة من العلماء: "معناه" ضيِّقوا له، وقدِّروه تحت السحاب".
وممن قال بهذا أحمد بن حنبل وغيره، ممن يجوِّز صوم يوم ليلة الغيم عن رمضان..
وقال ابن سُريج وجماعة - منهم: مُطَرِّف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون - : "معناه: قدِّروه بحساب المنازل".
وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور السلف والخلف؛ إلى أن معناه: "قدِّروا له تمام العدد ثلاثين يوما".
قال أهل اللغة: "يقال: "قَدَرْت الشيء أقْدُره، وأقدِّره، وقدَّرته وأقدرته؛ بمعنى واحد، وهو من التقدير..
واحتج الجمهور بالروايات المذكورة، "فأكملوا العدة ثلاثين"، وهو تفسير لـ "اقدروا له"؛ ولهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يذكر هذا، وتارة يذكر هذا، ويؤكده الرواية السابقة: "فاقدروا له ثلاثين"، قال المازَري: "حمل جمهور الفقهاء قوله صلى الله عليه وسلم: "فاقدروا له"؛ على أن المراد كمال العدة ثلاثين، كما فسَّره في حديث آخر، قالوا: "ولا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين؛ لأن الناس لو كُلِّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرِّف الناس بما يعرِفه جماهيرهم. والله أعلم".
فقد تبين مما ذكره الإمام النووي؛ أنه في حالة امتناع الرؤية لا يمكن اعتماد الحساب الفلكي وحده، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي يفسر بعضه بعضا؛ فإن معنى قوله: "فإن غم عليكم - أي امتنعت الرؤية لغيم ونحوه - فاقدروا له"، أي: أكملوا الشهر ثلاثين يوما، وقد صرح به في رواية أخرى بلفظ: "فاقدروا له ثلاثين".
وقد أشار الإمام النووي إلى الحكمة في أن الشرع لم يعتمد الحساب الفلكي بديلا عن الرؤية البصرية، وهي أنه لا يعرفه إلا أفراد، وهم الفلكيون، المعنيون بعلم الفلك، وهو المسمى قديما بعلم الهيئة، والشرع إنما يكلف الناس بما يعرفه عموم المكلفين، لا بما يعرفه أفراد منهم!
ويضيف الإمام ابن تيمية في [مجموع الفتاوى]، إلى كلام الإمام النووي، في بيان الحكمة من اعتماد الشرع الرؤية البصرية، دون الحساب الفلكي، في رؤية الهلال، فيقول: "فَإِنَّ الْهِلَالَ مَأْخُوذٌ مِنْ الظُّهُورِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ، فَطُلُوعُهُ فِي السَّمَاءِ - إنْ لَمْ يَظْهَرْ فِي الْأَرْضِ - فَلَا حُكْمَ لَهُ، لَا بَاطِنًا، وَلَا ظَاهِرًا".
ويقول أيضا: ".. وَذَلِكَ أَنَّ الْهِلَالَ أَمْرٌ مَشْهُودٌ مَرْئِيٌّ بِالْأَبْصَارِ، وَمِنْ أَصَحِّ الْمَعْلُومَاتِ مَا شُوهِدَ بِالْأَبْصَارِ؛ وَلِهَذَا سَمَّوْهُ هِلَالًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْمَادَّةَ تَدُلُّ عَلَى الظُّهُورِ وَالْبَيَانِ، إمَّا سَمْعًا، وَإِمَّا بَصَرًا .. وهلال أصحاب الفَلَك؛ ليس هلالا ظاهرا، لا بصرا، ولا سمعا".
فانظر إلى هذه التفرقة الدقيقة، بأنه لا بد من رؤية الهلال ظاهرا في الأرض، وهذا لا يتحقق إلا بالرؤية البصرية أو ما يقوم مقامها، بخلاف الحساب الفلكي؛ فإنه قد يُرى في السماء، ولا يُرى في الأرض، والتكليف الشرعي منوط بالرؤية الأرضية!
ويصرح ابن تيمية بأن هذا المعنى من الضرورات الشرعية، وأن الإجماع منعقد على أنه لا يجوز الاعتماد على غير الرؤية الشرعية، كالحساب الفلكي، إلا في حق صاحبه فحسب، ولا يلزم غيره من المكلفين، فيقول أيضا في [مجموع الفتاوى]: "فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام؛ أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال، بخبر الحاسب - يعني الفلكي - أنه يُرى أو لا يُرى؛ لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يُعرف فيه خلاف قديم أصلاً، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة؛ زعم أنه إذا غُمَّ الهلال؛ جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دل على الرؤية؛ صام، وإلا فلا، وهذا القول - وإن كان مقيدًا بالإغمام، ومختصًا بالحاسب - فهو شاذ، مسبوق بالإجماع على خلافه".
وقال الحافظ ابن حجر في [الفتح] في شرح حديث "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب": "فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية؛ لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير - الفلَك - واستمر الحكم في الصوم، ولو حدث بعدهم من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يُشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا، ويوضحه قوله في الحديث الماضي: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين"، ولم يقل: "فَسَلُوا أهل الحساب".
والحكمة فيه = كون العدد عند الإغماء؛ يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم".
يعني: أن إكمال العدد ثلاثين عند تعذر الرؤية؛ يستوي فيه جميع المكلفين، بخلاف ما لو اعتُمد الحساب الفلكي؛ فإنه يقع الخلاف والنزاع، والشرع حريص على اجتماع الكلمة، ولعَمْري هذا من لفتات الحافظ ابن حجر البديعة رحمه الله.
ومما أشار إليه أيضا؛ أن الحديث لم يرشد إلى استخدام الحساب الفلكي عند تعذر الرؤية، وقد كان معروفا أيام النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يمكن أن يرشد إليه، لكنه لم يفعل!
ولعل بعضهم قد يَفهم من قوله صلى الله عليه عليه وسلم: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب" تعليل الامتناع عن اعتماد الحساب الفلكي في تحديد أوائل الشهور، بعدم معرفة الحساب، بحيث يزول المنع إذا زال سببه، فوُجد من المسلمين من يعرف الحساب، وهو متجه، لكن العلماء ردُّوه، كما سبق في كلام النووي وابن تيمية وابن حجر، وانعقد الإجماع عليه.
على أنه يحتمل أن يكون معناه النهي عن استعمال الكتاب والحساب في تحديد أوائل الشهور، لا الإخبار عن أن الأمة لا تكتب ولا تحسب؛ فإنه مما يشهد الواقع ببطلانه؛ لوجود من يكتب ويحسب!
قال الحافظ: "وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير - الفلَك - في ذلك، وهم الروافض، ونُقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: "وإجماع السلف الصالح حجة عليهم".
وقال الحافظ في موضع آخر من [الفتح]: "وذهب آخرون إلى تأويل ثالث، قالوا: "معناه: "فاقدروه بحساب المنازل"، قاله أبو العباس بن سُريج ـ من الشافعية ـ ومطرِّف بن عبد الله ـ من التابعين ـ وابن قُتيبة ـ من المحدِّثين ـ قال ابن عبد البر: "لا يصح عن مطرِّف، وأما ابن قتيبة؛ فليس هو ممن يُعَرَّج عليه في مثل هذا".
ونقل ابن العربي عن ابن سُريج أن قوله: "فاقدروا له" = خطاب لمن خصه الله بهذا العلم، وأن قوله: "فأكملوا العدة" = خطاب للعامة!
قال ابن العربي: "فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، قال: "وهذا بعيد عن النبلاء".
يعني: والشرع وحَّد طريق الأحكام، حسما للنزاع!
وقال ابن الصباغ: "أما بالحساب؛ فلا يلزمه، بلا خلاف بين أصحابنا".
أما الإجماع على أنه في حالة تعذر رؤية الهلال، فإنه يجب إكمال العدة ثلاثين يوما، ولا يجوز الأخذ بالحساب الفلكي، ما لم يُرَ الهلال؛ فقد نقله ابن المنذر، فقال في [الإشراف] - كما نقله الحافظ ابن حجر عنه -: "صوم يوم الثلاثين من شعبان - إذا لم يُرَ الهلال، مع الصحو - لا يجب بإجماع الأمة، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين كراهته".
قال الحافظ: "هكذا أَطْلَقَ، ولم يفصِّل بين حاسب وغيره، فمن فرَّق بينهم؛ كان محجوجا بالإجماع قبله". انتهى.
وأضاف العلامة القاري في [المرقاة] ردا على ابن سريج: "وهو مردود لحديث: "إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب"؛ فإنه يدل على أن معرفة الشهر ليست إلى الكتاب والحساب ـ كما يزعمه أهل النجوم ـ وللإجماع على عدم الاعتداد بقول المنجمين، ولو اتفقوا على أنه يُرى، ولقوله تعالى مخاطبا لخير أمة أخرجت للناس خطابا عاما: "فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، ولقوله بالخطاب العام: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته" ـ ولما في نفس هذا الحديث: "لا تصوموا حتى تروه" ـ ولما في حديث أبي داود والترمذي عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: "الصوم يوم يصومون، والفطر يوم يفطرون".انتهى.
قلت: وبهذا يتبين لك الحكم فيما لو تعارضت الرؤية الشرعية مع الحسابات الفلكية؛ فإنه ينبغي اعتماد الرؤية الشرعية بالإجماع، وبما أسلفناه في هذا المقال من حجج، وأن الحساب الفلكي يُعتمد في النفي لا في الإثبات، وأنه لا يلزم إلا صاحبه، فله أن يصوم أو يفطر في خاصة نفسه، بناء على ما توصل إليه بالحساب، ومع ذلك فهو رأي شاذ، وبالله التوفيق.
