روضَات العَشـْر

خيرات هذه العشر ليست شيئًا يسير تعويضه.
إن ضاعت لياليها في الغفلة، أو انشغل القلب عنها بما سواها، بقي في النفس فراغٌ طويل لا يملؤه شيء من متاع الدنيا.

  • التصنيفات: ملفات شهر رمضان -

نحن مقبلون على أيامٍ ليست كسائر الأيام؛ أيامٍ إذا لامست القلب لان، وإذا مرّت بالروح أزهرت، كأنّ فيها رفقًا خفيًّا يسري في الصدور.

أيامٌ هي أحنُّ ما يمرّ على القلب، وأعذبُ ما تذوقه الروح، حتى ليشعر العبد أنه يقترب فيها من المعنى الذي خُلق له أول مرّة.

العشر ليست مجرد ليالٍ يطول فيها القيام أو يقلّ فيها النوم، بل هي رجوع الروح إلى موطنها الأول؛حين يقف العبد بين يدي ربّه في سكون الليل، وقد خفَتَ ضجيج العالم، يشعر أن شيئًا في داخله قد عاد إلى مكانه الصحيح.

فلا يثقل عليه السهر، ولا تضيق نفسه بطول القيام، ولا يستوحش من قلة الكلام مع الناس؛ بل يجد في صدره أنسًا خفيًّا وفرحًا هادئًا لم يعرفه في بقية العام، كأن القلب أخيرًا وجد الجهة التي يستريح عندها.

وما ذاك إلا لأن الروح إذا انقطعت قليلًا عن الخلق، وانشغلت بربها، تذكّرت فطرتها التي غطّاها صخب الأيام.
فإذا بالقرآن يصبح حديثًا حيًّا، وإذا بالدعاء يصير ملجأً حقيقيًا، وإذا بالسجود يتحوّل إلى موضع راحةٍ لا يريد القلب أن يغادره.

ولهذا فإن خيرات هذه العشر ليست شيئًا يسير تعويضه.
إن ضاعت لياليها في الغفلة، أو انشغل القلب عنها بما سواها، بقي في النفس فراغٌ طويل لا يملؤه شيء من متاع الدنيا.
فالإنسان قد يلحق كثيرًا مما فاته من أمور الحياة، لكنه لا يلحق ليلةً مضت من هذه الليالي إذا انقضت.

فاشتغل بما خُلقت له:
اقترب من محرابك، وأطل الوقوف بين يدي ربك، وأكثِر من القرآن، واملأ صدرك بنيّاتٍ صادقة، وذق معنى الخلوة مع الله.
خفّف من ضجيج الحياة قليلًا، وقلّل من كل ما يشدّك إلى الناس، لتتّسع في قلبك مساحة القرب.

ومما يعين القلب على الثبات في هذه الأيام أن يكثر العبد من الذكر والدعاء؛فإن الذكر وقود الروح، به تقوى العزيمة، ويثبت القلب على الطريق.

فأكثر من الحوقلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، وأكثر من سؤال المعونة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

وكرّر الدعاء الذي كان يدعو به الشيخ ابن باز -رحمه الله-: اللهم ارزقني القوة والنشاط في الخير؛ فإن العبد كثيرًا ما يعرف الطريق لكنه يحتاج قوةً تمضي به فيه.

واجعل لقلبك اعتكافًا على باب الله، ولو لم يكن اعتكافًا كاملًا؛اعتكاف نيةٍ وإقبال، تقف فيه بصدق بين يديه، وتراجع نفسك على اللحظات قبل الساعات، وتعاتبها على الثانية التي تمضي بغير ذكرٍ أو قرب.

وأكثِر من القرآن؛ اقرأه قراءة من يبحث عن الحياة في آياته، لا قراءة من يريد أن يفرغ من ورده فحسب.
فإن القرآن إذا خالط هذه الليالي، فتح في القلب أبوابًا من الأنس لا يعرفها إلا من أطال الوقوف معه.

فالدنيا واسعة، وأيامها كثيرة، وستلحق — بإذن الله — بما يفوتك منها.
أما هذه العشر، فإن مضت ولم تفتح لها قلبك، فقد تمضي وأنت لا تدري:
هل تدركها مرةً أخرى،أم يأتي رمضان
القادم وأنت بين أحضان القَبر ...