فصل في رياضة النفس

أبو الفرج ابن الجوزي

ينبغي للعاقل أن لا يقدم على العزائم حتى يزن نفسه هل يطيقها ؟ ويجرب نفسه في ركوب بعضها سراً من الخلق فإنه لا يأمن أن يرى في حالة لا يصبر عليها، ثم يعود فيفتضح.

  • التصنيفات: تربية النفس -
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:

ينبغي للعاقل أن لا يقدم على العزائم حتى يزن نفسه هل يطيقها ؟ ويجرب نفسه في ركوب بعضها سراً من الخلق فإنه لا يأمن أن يرى في حالة لا يصبر عليها، ثم يعود فيفتضح.
مثله: رجل سمع بذكر الزهاد فرمى ثيابه الجميلة ولبس الدون وانفرد في زاوية، وغلب على قلبه ذكر الموت والآخرة، فلم يلبث متقاضي الطبع أن ألح بما جرت به العادة.
فمن القوم من عاد بمرة إلى أكثر مما كان عليه كأكل الناقه من مرض.
ومنهم من توسط الحال فبقي كالمذبذب.
وإنما العاقل هو الذي يستر نفسه بين الناس بثوب وسط لا يخرجه من أهل الخير، ولا يدخله في زي أهل الفاقة.
فإن قويت عزيمته في بيته ما يطيق، وترك ثوب التجمل لستر الحال، ولم يظهر شيئاً للخلق، فإنه أبعد من الرياء، وأسلم من الفضيحة.
وفي الناس من غلب عليه قصر الأمل وذكر الآخرة حتى دفن كتب العلم.
وهذا الفعل عندي من أعظم الخطأ وإن كان منقولاً عن جماعه من الكبار.
ولقد ذكرت هذا لبعض مشايخنا فقال: أخطأوا كلهم وقد تأولت لبعضهم بأنه كان فيها أحاديث عن قوم ضعفاء ولم يميزوها، كما روي عن سفيان في دفن كتبه.
أو كان فيها شيء من الرأي فلم يحبوا أن يؤخذ عنهم فكان من جنس تحريق عثمان بن عفان رضي الله عنه للمصاحف لئلا يؤخذ بشيء مما فيها من المجمع على غيره.
وهذا التأويل يصح في حق علمائهم.

فأما غسل أحمد بن أبي الحواري كتبه وابن أسباط فتفريط محض.
فالحذر الحذر من فعل يمنع منه الشرع أو من ارتكاب ما يظن عزيمة وهو خطيئة، أو من إظهار ما لا يقوى عليه المظهر فيرجع القهقرى.
وعليكم من العمل بم تطيقون كما قال صلى الله عليه وسلم.