وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل...

محمد بوقنطار

والحقيقة أن هذا السيل الدفق من تعداد نعم الغرب علينا بلسان عربي غير مبين يذكرني بذلك الحوار الذي نقله لنا القرآن

  • التصنيفات: الغزو الفكري -

ليس أخطر على وعي الأمة من أولئك الذين نشؤوا في جلدها، لكنهم تشربوا روح غيرها، حتى غدوا عن قصد أو عن غير قصد أبواقا تبرر، وألسنة تدافع، كلما ذكر الغرب بما في تاريخه وحاضره من فرعونية التسلط، وعدوان الاستكبار، ونزوع الهيمنة، وما اقترن بذلك من صور الظلم والبغي وازدواج المعايير.
نعم إنهم عبيد الغرب من بني الجلدة بيننا لا يزالون كلما ذكر ذاكر الغرب بفرعونيته وعدوانيته ولصوصيته وبغيه وجوره واعتسافه ووحشية سلوكه، وبهيمية تصرفه، وزيف مدنيته، وحقيقة إفساده في الأرض بغير حق، يطفقون على وجه العجلة وطافح الحرص يدافعون عن سيرته، ثم يعطفون يذكرونك في سياق المن وحساب كل صيحة علينا وعليك، فيقذفون في كل جانب من جوانب حياتنا، لافتين انتباهنا إلى أننا نركب على سيارته ونطير على أجنحة طيارته ونتداوى بعقاقير دوائه، ونحفظ طعامنا في ثلاجته، ونترفه في ظل اختراعاته، ونتواصل بأدواته، ونحارب بأسلحته، ونتستر بثوب آلة خياطته، وننير بيوتنا بمصباحه السحري، ونقيس نبض حياتنا بأجهزته وهلم جرا...
والحقيقة أن هذا السيل الدفق من تعداد نعم الغرب علينا بلسان عربي غير مبين يذكرني بذلك الحوار الذي نقله لنا القرآن وقد دارت تفاصيله بين فرعون وموسى وكأنه يستذر عطفه في سياق تذكيره بسابق فضله عليه ولومه على ذنبه الذي قارفه تحت سلطان نفوذه، حينما استدعى فرعون ماضي الإحسان ليصادر به سطوة الحاضر، ويستثمر به لحظة المواجهة: مصداقا لقوله تعالى في سورة الشعراء {"قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِين"}
فجاء الجواب النبوي في غاية التوازن والصرامة: إقرار بالواقع من غير تزييف، ورفض للمنة من غير تردد. إقرار بالفعل: {﴿فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾} ، ثم كشفٌ لحقيقة “النعمة” المزعومة: { ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾} .

ولعل في هذا الكشف النصاب الوافي الذي يرد زعم منه، ووهم وكذب فضله، وأن الحقيقة هاهنا تذهب مذهب أن اللبث تم على مكرهة من أمه ومن قومه، وإنما كان الاستقبال في قصرك والمكوث فيه عدد سنين لأنك كنت تستعبد قومي وتقتل أبناءهم ظلما وعدوانا، ولو كان لأمي الخيار ما ألقتني في اليم تسوقني أمواجه تحت طائلة ما قدره الله من حكمة وأنفذه من جميل قضاء وقدر، بل لو كان لي الاختيار لآثرت وفضلت وفزعت إلى العيش في كنف أمي وفي حضن أسرتي، وأعظم بها من نعمة، هي خير وأفضل وأنسب من العيش في كنفك مصداقا لقوله تعالى "وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل"
وهي عين العبارة التي وجب أن نلقم حجارتها وصفوانها الصلد هذه الأفمام التي تتمنن علينا بكل وافد صقيعي، إذ لو كان لنا الاختيار الحر، والنفوذ المتحرر لصنعنا ثلاجتنا، وسيارتنا وطائرتنا ودواءنا وسلاحنا...وكل شيء نحتاجه لحياتنا وتأثيث أركان بيتنا ونعمر به مناكب جغرافيتنا، ولكن وللأسف الشديد فرعونية الغرب تأبى علينا ذلك وتفرض علينا دركة الزبونية بالنار والحديد.
والأكيد أن تحرير هذا المعنى هو بداية الطريق والسير بخطى ثابتة نستطيع من خلالها أن نخرج من ثنائية الجحود والانبهار، إلى وعينا الحضاري الذي كان فيه أسلافنا الأجاود يزنون الأمور بميزان العدل، فيعترفون بالمنجز دون أن يؤلهوا صانعه، وينتفعون بالوسيلة دون أن يستسلموا لهيمنة صاحبها، وقد جاوروا الروم والفرس وساكنوا شياطين الإنس من الذين أخبر القرآن عن سيرتهم وأنهم كانوا ولا يزالون ولم يزالوا أشد عداوة للذين آمنوا، دون أن ننسى أو نتغافل في غير حذر الوقوف على سيرة معشر المنافقين من بني جلدتنا الذين يمشون بين ظهرانينا يأكلون الغلة ويكفرون بالملة، ويستفيدون من خيراتنا لكنهم يشكرون غيرنا...