(قال لا ينال عهدي الظالمين)
بسام بن خليل الصفدي
من الآيات الحقيقة بالتدبر والاتعاظ: قوله تعالى في سورة البقرة: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}
- التصنيفات: التفسير -
من الآيات الحقيقة بالتدبر والاتعاظ: قوله تعالى في سورة البقرة: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124].
ثم قوله سبحانه في السياق نفسه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].
وفي الآيتين معنًى لطيف يحسُن الوقوف عليه وتأمُّلُه، وقد نوَّه به جماعة من المفسرين.
حاصله: أن إبراهيم عليه السلام حين ابتلاه ربه سبحانه بالأوامر والأحكام الشرعية والقدَرية وفَّى بها وأداها على خير وجه، فـــ "ثبت على ابتلاء الأقدار، وأدَّى ما أُمر به من التشريع" (التفسير والبيان (1/102) للطَّرِيفي)، فمنَّ الله عليه بأن جعله إماما وقدوة يَقتدي به مَن بعده. فلما حصلت النعمة له عليه السلام سأل حصولها لذريته، فقال: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِي}، أي: اجعل يا رب كذلك من ذريتي أئمة، فقال الله له: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} أي: لا ينال عهدي لك بالإمامة الظالمين من ذريتك.
وفي الآية الثانية: يسأل إبراهيم ربه أن يَنشر الأمن على مكة البلدِ الحرام، وأن يرزق أهله من أنواع الثمرات، وسأله أن يكون هذا الرزق خاصا بالمؤمنين؛ ذلك أنه خشي عليه السلام من التعميم فتقع عليه الملامة كما حصل له في سؤال الإمامة، فلم يجبه الله في ذلك، بل تكفل برزق المؤمن والكافر، فقال: ومن كفر منهم فإني أرزقه وأمتعه متاعا قليلا في الدنيا، ثم ألجئه مُكرَها مُرغَما إلى عذاب النار في الآخرة، وبئس المصير الذي يرجع إليه.
فلما كانت الإمامة نعمة دينية اختصَّ الله بها أهل الإيمان، ومَنعها عن الظالمين لأنهم لا يستحقونها، وإن كانوا من ذريةِ مَن أكرمه الله بها، كما هو الحال هنا.
ولما كان الرزق نعمة دنيوية تفضل الله بها على المؤمن والكافر، ولم يَحجبها عن أحد من خلقه، فهو سبحانه المتكفل بأرزاقهم ومعايشهم.
وفي الآيتين إشارة إلى حقارة الدنيا، وأن الله تعالى يعطيها كلُّ أحد، بخلاف الدين والهدى والاستقامة فإن الله لا يوفق إليه إلا من أحب من عباده وأراد به الخير.
وفي هذا المعنى قوله سبحانه في الأعراف: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 32].
فبيّن سبحانه أن الرزق والطيبات في الدنيا يشترك في التنعم بها المؤمن والكافر، وقوله: {قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي ويشترك معهم فيها الكفار، لكنها {خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} لهم دون غيرهم، لا يَشركهم فيها أحد.
وفيه أيضا قوله جل وعلا: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 18-21].
ومعنى الآيات أنَّ من أراد الدنيا أعطاه الله ما شاء منها، ومن أراد الآخرة شَكر له سعيه، وأن خيره وعطاءه لا يُحجَب عن الفريقين، وأنه سبحانه فاضل بين الناس -بعلمه وحكمته- في عطاء الدنيا ورزقها وزينتها، لكنَّ التفاوت الحق والتفاضل الحقيقي إنما يكون في الآخرة، حيث النعيم الأبدي السرمدي أو ما يقابله من العذاب والشقاء.
وقد أخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُم كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللهَ عز وجل يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا لِمَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الدِّينَ، فَقَدْ أَحَبَّهُ..» (هذا الحديث رُوي مرفوعا وموقوفا، والصحيح أنه موقوف من كلام ابن مسعود رضي الله عنه، قاله الدارقطنيُّ وغيره).
وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: «... وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا» (أخرجه الترمذي وقال: "حديث حسن غريب"، والنسائي في "الكبرى" من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي سنده اختلاف).
فالنعيم الذي يُغبَط عليه المرءُ ما كان في الدين، والمصاب الذي يُشفَق عليه منه كذلك ما كان في الدين، فهنالك يقع التفاوت والتمايز بين الخَلق، فاللهم ثباتًا على دينك حتى نلقاك.
