الرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ إذا تبين
خالد بن عثمان السبت
المُنصف يطلب الحق ويُذعِن له ويُبادِر إلى أخذه حينما يتبين له، ولا يستنكف من ترك قوله ورأيه إذا تبين له خطؤه..
- التصنيفات: أخلاق إسلامية -
المُنصف يطلب الحق ويُذعِن له ويُبادِر إلى أخذه حينما يتبين له، ولا يستنكف من ترك قوله ورأيه إذا تبين له خطؤه؛ لكونه يعلم أنه ليس مما أمر الله به ورسوله ولا مما يرتضيه عاقل أن تُقابل الحجج القوية بالمعاندة والجَحْد، بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء، وأهل الإسلام... أحق بذلك من غيرهم، إذ هم ـ ولله الحمد - أكمل الناس عقلاً، وأتمهم إدراكاً، وأصحهم ديناً، وأشرفهم كتاباً، وأفضلهم نبياً، وأحسنهم شريعة) [1].
ولما اجتمع أبو يوسف بالإمام مالك -رحمهما الله- وذاكره في بعض المسائل كان ذلك سبباً لرجوعه إلى قول مالك لله، وقال: لو رأى صاحبي - أبو حنيفة - مثل ما رأيت الرجع مثل ما رجعت [٢] .
وقال عبد الرحمن بن مهدي (۲۹۸هـ) رحمهم الله: ذاكرت عبيد الله بن الحسن القاضي بحديث -وهو يومئذ قاض- فخالفني فيه، فدخلت عليه وعنده الناس سماطين [3] ، فقال لي: ذلك الحديث كما قلت أنتَ، وأرجع أنا صاغراً [٤]. وفي رواية قال: «لأن أكون ذنباً في الحق أحب إلي من أن أكون رأساً في الباطل) [5].
وذكر أبو محمد بن حزم كنانة قصة في ذلك وقعت له، فقال: «إني ناظرت رجلاً من أصحابنا في مسألة فَعَلَوتُه فيها لبكوء [٦]، كان في لسانه، وانفض المجلس على أني ظاهر، فلما أتيت منزلي حاك في نفسي منها شيء، فَتَطَلَّبْتُها في بعض الكتب، فوجدت برهاناً صحيحاً يبين بطلان قولي وصحة قول خصمي، وكان معي أحد أصحابنا من شهد ذلك المجلس فَعَرَّفْتُه بذلك، ثم إني قد علمتُ على المكان من الكتاب، فقال لي ما تريد؟ فقلت: حَمْلَ هذا الكتاب وعرضه على فلان، وإعلامه بأنه المحق، وأني كنت المُبطل، وأني راجع إلى قوله، فهجم عليه من ذلك أمر مبهت، وقال لي: وتسمح نفسك بهذا؟ فقلت له: نعم، ولو أمكنني ذلك في وقتي هذا ما أخرته إلى غد اهـ [7].
_____________________________________________________
[1] ما بين الأقواس من كلام شيخ الإسلام في درء التعارض (٢٠٧/٩).
[۲] ذكره شيخ الإسلام في صحة أصول مذهب أهل المدينة (ص٢٥، ٢٧)، الفتاوى (۳۱۱ ،۳۰۷ ،۳۰٤/٢٠)
[۳] يعني: صفين.
[4] الحلية (٤١/٩).
[5] تهذيب الكمال ( 35/19)
[6] البكوء: يعبر عنه عن قلة الكلام، ولعل المراد هنا الضعف في التعبير، والعجز عن البيان.
[7] التقريب لحد المنطق (ص: 194)
___________________________________________
المصدر: كتاب فقه الرد على المخالف (ص:223)
