معركة القلوب في زمن الفتن

نحن نعيش في زمن ننشغل فيه كثيرًا بتجميل الصور وتحسين الظواهر، وتلميع ملفاتنا الشخصية أمام الخلق، ينسى الكثير منا أن الله عز وجل تجاوز عن الصور والأجساد، ونظر مباشرة إلى المضغة الكامنة في الصدور..

  • التصنيفات: أعمال القلوب -

الحمد لله الذي يعلم ما في السماوات والأرض، ويعلم ما تسرون وما تعلنون، والله عليم بذات الصدور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل القلب ملِكًا والأعضاء له جنودًا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، كان أخشى الناس قلبًا وأصدقهم لهجة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فتحوا القلوب بالإيمان قبل أن يفتحوا الأمصار، وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد:

فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله عز وجل، فاتقوا الله رحمكم الله، واستشعروا رقابة الله تعالى لكم، وعلمه المحيط بكم، وأنه لا تخفى عليه منكم خافية؛ فإن ذلك هو واعظ الله في قلب المؤمن ورقيبه، يرغبه في الصالحات، ويحببه في الطاعات، ويزجره عن السيئات، ويملأ قلبه بالخشية والإنابة والإخبات؛ قال تعالى: {هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 32، 33].

 

أيها الأحبة في الله:

نحن نعيش في زمن ننشغل فيه كثيرًا بتجميل الصور وتحسين الظواهر، وتلميع ملفاتنا الشخصية أمام الخلق، ينسى الكثير منا أن الله عز وجل تجاوز عن الصور والأجساد، ونظر مباشرة إلى المضغة الكامنة في الصدور، إن القلب هو موضع نظر الله جل وعلا في أعظم المقامات، {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87 - 89]، هذه المضغة هي التربة؛ فمن زرعها بيد الإيمان وسقاها بماء اليقين، أنبتت أطايب الأفعال والأقوال، ومن تركها بوارًا أو سقاها بماء العصيان نبتت فيها أشواك القلق، وكانت حطب جهنم، تحرق أول ما تحرق يد زارعها؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب»؛ (رواه البخاري ومسلم).

 

واعلموا يا عباد الله أننا نعيش في عصر انتشار الفتن، فالفتنة لم تعد تطرق بابك، بل أصبحت في جيبك، وفي شاشتك، وفي كل نقرة زر.

 

تأملوا رحمكم الله حديث حذيفة رضي الله عنه: «تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نُكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نُكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين؛ على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًّا كالكوز مجخيًا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه»؛ (رواه مسلم).

 

تأملوا هذا التصوير البليغ؛ الفتن اليوم تُعرض علينا مشهدًا مشهدًا، ومنشورًا منشورًا، تمامًا كخيوط الحصير التي تنسج واحدًا تلو الآخر، القلب الذي يشربها ويتفاعل معها بالقبول واللذة، يطبع فيه سواد فوق سواد، حتى ينطمس نوره، فيصبح كالكوز مجخيًا؛ أي كالكأس المنكوسة المقلوبة، لا يستقر فيها ماء الحق ولا يثبت فيها خير، بل ويصبح مربادًّا؛ كالثوب المتسخ الذي اختلط بياضه بسواد كثيف، فلا يفرق بين ضلالة وهدًى، بل يصبح معيار الحق عنده هو هواه.

 

فيا أخي في الله:

احمِ قلبك، لا تفتحه لكل ريح، ولا تجعله إسفنجة تمتص كل شبهة، بل اجعله صخرة صلبة (كالصفا) تتكسر عليها أمواج الفتن ولا تنفذ إلى باطنها.

 

ومن قصص واقعنا المعاصر: ذلك الشاب الذي كان قلبه حيًّا، يجد لذةً في دمعة السحر، وأنسًا في بيوت الله، ولكنه استهان يومًا بـ«متابعة» واحدة لصفحة مشبوهة في فضاء هذه الشبكات، أو استسلم لفضول «نقرة» عابرة لمقطع خادش، ظنًّا منه أنه قوي بما يكفي ليعود، وما علم أن نظرةً واحدةً قد تفعل في القلب ما لا يفعله السيف؛ فما زالت تلك المشاهد تتسلل إلى روحه، وما زال قلبه «يشرب» تلك النكت السوداء مشهدًا بعد مشهد، حتى ثقلت عليه الصلاة، وانطفأ نور الخشية في عينه، وذاق مرارة الوحشة بعد حلاوة الأنس، لقد تحول ذلك القلب من مرآة تعكس جلال الله، إلى ركام تراكمت عليه صور الشهوات، حتى أصبح يرى المنكر «حرية»، والفساد «تطورًا»، والمعصية «بساطة».

 

فاحذروا رعاكم الله على قلوبكم من هذه الفيروسات التي تفتك بيقينكم، وتمرض أرواحكم، والتي تخترق جدران الحياء، واعلموا أن عطل القلب لا يصلحه إلا العودة الصادقة إلى رحاب ذي الجلال والإكرام.

 

وتأملوا ما أكثر تقلب الإنسان في هذه الحياة من حال إلى حال والله أعلم بالمآل! ولذا كان من أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك»؛ (رواه الترمذي وحسنه).

 

إن مشكلتنا الكبرى اليوم هي تضخم الدنيا في قلوبنا، حتى صارت هي القضية الكبرى، فمن الناس من يحزن لضياع صفقة أو تعطل هاتف أكثر مما يحزن لضياع صلاة الفجر أو قسوة قلبه، والحقيقة التي لا بد أن ندركها يقينًا أن الدنيا وسيلة والآخرة هي المستقر؛ قال الله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].

 

وعلينا أن نحذر من تصلب الشرايين الإيمانية، فالقلوب قد تقسو حتى تصبح كالحجارة، وعندها تكون عرضة لعقاب الله القائل: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22].

 

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه؛ أما بعد:

فقد جاء رجل إلى الحسن البصري رحمه الله يشكو يباس قلبه وقسوته، فقال له الحسن: "أذب قسوة قلبك بالذكر"، وهذا هو العلاج الشافي؛ فكما أن الماء يلين الحديد المُحمَّى، فإن ذكر الله يذيب جبال الهم والقسوة من الصدور، وأنت تجد من نفسك خاصة في مواسم الخير حين تنقطع عن ضجيج الناس وتخلو بربك، رقةً ودمعةً لم ولن تجدها أمام الشاشات؛ قال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]، وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2].

 

يذكَر أن أحد العباد المعاصرين سُئل: كيف أحافظ على قلبي في زمن الصخب؟

 

فأخرج هاتفه وقال: كما تشحن هذا الهاتف كل يوم ليعمل، اشحن قلبك بخلوة مع الله قبل أن تنام، وذكر لا يغادر لسانك، ومحاسبة لنفسك قبل أن تحاسب.

 

اللهم ألزم قلوبنا التقوى، وزكِّها أنت خير من زكاها، اللهم اجعل قلوبنا سليمة، وأصلح لنا الآخرة والأولى، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه في محكم كتابه؛ حيث قال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن سائر الصحابة والتابعين.

____________________________________________
الكاتب: الشيخ أحمد إبراهيم الجوني