الآخرة وأثرها في إصلاح النفس
فيصل بن علي البعداني
إن الإيمان باليوم الآخر ليس علمًا يُحفظ، بل أثرًا يُرى في السلوك؛ فهو الذي يهدي العبد، ويقوم اعوجاجه، ويثبّته على الصراط المستقيم.
- التصنيفات: تربية النفس -
تذكّر البعث والنشور قوةٌ حيّة تقود سلوك العبد، وتهذب مسيرته، وتُعلي من قيمه، وتربطه بغاية وجوده.
فإذا استقرّ في قلبه يقينُ الوقوف بين يدي الله تعالى ومحاسبته له على قوله وعمله، ظاهرًا وباطنًا، نشأت فيه رقابةٌ دائمة تحمله على محاسبة نفسه قبل أن يُحاسَب؛ فيبعثه ذلك على مهابة الله ومخافته، وعلى تجويد سيره إليه، فيُصلح نيته، ويُحكم اتباعه، ويزكّي نفسه، ويتوب إلى ربّه، ويترفع عما لا ينفعه في الآخرة، متعاهدًا مواضع التقصير، ومسارعًا إلى الخيرات؛ استحضارًا لقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
ومن آثار هذا اليقين أنه يُعلي ميزان التقى والعدل في النفس ويهذّب الأخلاق؛ فيترفع العبد عن الظلم، ويدور مع الحق حيث دار، لعلمه أنّ الحقوق محفوظة، وأن القصاص واقع يوم القيامة.
ومتى استقرّ ذلك اليقين في النفس أثمر ثباتًا؛ إذ يربط العبد بالغاية الكبرى، فيزهده في الفاني، ويدفعه للإقبال على الباقي، فلا تفتنه الشهوات، ولا تضلّه الفتن، ولا تحرفه المغريات ولا المحن. وقد قرن الله الهداية بهذا اليقين، فقال: {ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ… وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}
فكلما قوي يقين العبد بالآخرة، ازداد ثباتًا، واستقامة على الحق، وبُعدًا عن مهاوي الزيغ.
ومتى استقام العبد في نفسه، لم يقف أثر ذلك عنده، بل تجاوزه إلى المجتمع؛ فيقوى فيه استشعار المسؤولية تجاهه، وتنبعث منه روح النصيحة، وتتآلف النفوس على التراحم، وتتعاون على التكافل، ويُقبل أفرادها على البرّ والإحسان، فتُؤدَّى الحقوق، وتُصان الحرمات، ويقلّ الفساد؛ لأن كل امرئٍ يعلم أنه موقوف بين يدي ربّه.
وخِتامًا، فإن الإيمان باليوم الآخر ليس علمًا يُحفظ، بل أثرًا يُرى في السلوك؛ فهو الذي يهدي العبد، ويقوم اعوجاجه، ويثبّته على الصراط المستقيم. فمن أراد الهداية، فليُعمِّق هذا الإيمان في قلبه، وليجعل الآخرة نصب عينيه، حاضرةً في تفكيره وسلوكه؛ فإن من استحضر الحساب، استقام قلبه وصلح عمله.
والله الهادي.
