الاستغفار والذكر

محمد بن إبراهيم السبر

واعلموا أن ذكر الله والاستغفار حياة للقلوب، وراحة للنفوس، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة، قال ربكم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}.

  • التصنيفات: الذكر والدعاء -

الحمد لله رب العالمين، يسمع دعاء الخلائق ويجيب، يغفر لمن استغفره، ويرحم من استرحمه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين، أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، واعلموا أن ذكر الله والاستغفار حياة للقلوب، وراحة للنفوس، وطريق النجاة في الدنيا والآخرة، قال ربكم: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33] وتذكروا- رحمكم الله- أنكم في شهر شعبان الذي كان يُكثِر فيه نبيُّكم صلى الله عليه وسلم من الصيام، ويزيد من العبادة ما لا يزيد في غيره، فاقتدوا بنبيِّكم وحبيبكم صلى الله عليه وسلم، واغتنموا أيامكم وأعماركم، وأكثروا من الصالحات، تفوزوا برضى ربكم ومغفرته وعظيم ثوابه.

 

عباد الله، قام أحد الخطباء فقال رافعًا صوته: ادعوا، فمن أدمن قرع باب الله يوشك أن يفتح له، فسمعته امرأة عجوز، فقالت: إلى متى تقول هذا يا هذا؟! متى أغلق باب الله حتى يفتح؟ متى أغلق باب الله حتى يفتح؟

 

نعم...أيها الراجون لعفو ربهم ومغفرته... باب الله دائمًا مفتوح على مصراعيه لعباده السائلين المستغفرين، باب الله دائمًا مفتوح ولم ولن يغلق في وجه أحد من خلقه، إلا من انصرف أو استكبر على ربه، يقول رسولكم صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين»؛ (رواه الترمذي وأبو داوود).

 

اعلموا أن مغفرة الله عظيمة، مغفرة الله لا يقف أمامها ذنب مهما بلغ، ولا معصية مهما عظمت، وقول العبد أستغفر الله ليس بالأمر الهيِّن، وقد جاء في الأثر أن الشيطان أقسم بعزة الله فقال: وعزتك لأغوينهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله: وعزتي وجلالي لأغفرن لهم ما استغفروني؛ (أخرجه الحاكم وصححه).

 

أستغفر الله كلمة لو قالها العبد صادقًا من قلبه، محت عنه الذنوب كلها، حتى وإن عاش حياته كلها، في صغره وكبره، وشبابه ومشيبه، وهو يتقلب في معاصي الله وكبائر الذنوب، ثم وقف في آخر عمره صادقًا قبل أن تغرغر روحه، فقال من قلبه: أستغفر الله، لغفر الله له ذنوبه كلها ولم يبال سبحانه، قال ربكم: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53]، وتأملوا أنه قال: {أَسْرَفُوا}؛ أي: بالغوا في الذنوب. ثم قال: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53]، هذا هو قول أصدق القائلين، وأرحم الراحمين، وخير الغافرين.

 

أيها الراجون لعفو ربهم ومغفرته...اعلموا أن ربكم واسع المغفرة، وأن ذنوب بني آدم وإن كثرت ففضل الله سابغ على عباده؛ ولذا فقد شرع لهم طاعات يواليها عليهم ليكفر عنهم سيئاتهم، ألا وإن أعظم هذه الطاعات وأجلها، توحيد الله تعالى؛ فالعبد إذا حقق كلمة التوحيد في قلبه، وأصبح في ملاذه يرجو الله ويدعوه وحده، احترقت ذنوبه وخطاياه، روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: «يا بن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرت لك على ما كان فيك، ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا بن آدم، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرةً».

 

واعلموا أن التوبة، وندم القلب، مع الإقلاع عن الذنب من أعظم ما يغفر الذنوب، فإن غلبته نفسه وعاد للذنب فليتب مرةً أخرى ولا ييأس من رحمة الله، روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك».

 

فعلى المؤمن أن يجعل هذا الأمر عقيدةً راسخةً في قلبه لا يدخلها شك، وأن يحسن الظن بالله، وليكثر الدعاء والرجاء لله تعالى.

 

أيها الراجون لعفو ربهم ومغفرته، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي مع أصحابه، ومعه عصا بيده، فمَرَّ بشجرة يابسة الورق، فضربها بعصاه فتناثر الورق، والصحابة ينظرون، فقال: «إن الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لتساقط من ذنوب العبد كما تساقط ورق الشجرة هذه»؛ (رواه الترمذي)؛ أي: تتسبب في غفران الذنوب كما تساقط ورق هذه الشجرة، وهذا من فضل الله ورحمته لعباده بسبب الذكر، وهذا بيان لعظيم الاستغفار بهن.

 

فعليكم بذكر الله والاستغفار، فأكثروا منه في بيوتكم، وعلى موائدكم، وعلى فرشكم، وفي طرقكم وأسواقكم، وأينما كنتم، فإنكم لا تدرون متى تنزل المغفرة، واعلموا أن شهر التوبة والرحمات ومغفرة السيئات قد قرب، فأقبلوا على الاستغفار والذكر بقلوبكم وألسنتكم، وانطرحوا بين يدي ربكم باكين نادمين، وجلين مشفقين، واستغفروه استغفار من يعلم أنه لا نجاة له إلا به سبحانه.

 

وخصُّوا والديكم بذلك فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستغفار للوالدين ينفعهما، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الرجل لترفع درجته في الجنة، فيقول: يا رب، أنى هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك؛ رواه ابن ماجه. اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا واجزهم عنا خير الجزاء.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات.

___________________________________________
الكاتب: د. سعود بن غندور الميموني