عذاب التوقع
عيشوا بواجب الوقت، أحسنوا إلى من تعولون، رمّموا قلوبكم، وكُفّوا عن اللهاث خلف ما يبدد سكينة أرواحكم، ثم ألقوا بأحمالكم على عتبة التسليم.
- التصنيفات: نصائح ومواعظ -
تخيل أن تستيقظ في جوف الليل، لتجد شخصاً مألوف الملامح يجلس في تلك الزاوية. تقترب منه لتكتشف وجهٌ تعرفه أكثر مما تعرف وجوه الناس جميعًا. تقترب بوجل، فتكتشف أنك تنظر إلى نفسك، ولكن بعد عشرة أعوامٍ كاملة. نظرته مثقلة بـ فائض الوعي، لا يبتسم لبهجتك، ولا يكترث لطموحك، لأنه يعرف تماماً كيف سينتهي هذا كله.
ومضيًّا بالفكرة إلى مدى أرحب، واستمدادًا لوهجها من عالم الخيال، هَبْ أن صَدْعاً انشق فجأة في جدار الزمان القابل، وانبجست منه أفواجٌ تمثل نُسخنا التي ستتخلق بعد عشر سنوات. ليسوا محض أغراب، بل هم نحن بعد أن اصطلينا بمكابدة التجارب، وتجرعنا كؤوس المآلات لاختياراتنا الطفولية، وعاينّا كيف تصبح الهياكل الكبرى لأعمارنا من رحم قراراتٍ صغيرة كنّا نحسبها في غمرة الركض عابرة.
تخيّل لو أناخ هؤلاء ركابهم في مجالسنا، يحمل كل امرئ منهم بين جوانحه حِمْلاً معرفياً واصباً: يدرك يقينًا ما سيسفر عنه الغد من خطوب، وما سيعتري بنيانه الأسري من تصدعات أو التئام، وما ستؤول إليه صنميات الأحلام التي يعبدها اليوم، وكيف ستعصف التحولات العالمية الكبرى باستقراره وتصوراته. في بادي الرأي، قد يغترّ العقل المادي بهذه المُكْنة، ويتوهم أن ارتهان المعرفة الاستباقية سيورثه منعةً وسكينة، بيد أن الغوص التحليلي في أغوار النفس يكشف أن هذا الاطلاع ذاته ليس سوى عذاب مسبق للروح، وأن إسدال الله حُجب الغيب عن عباده هو من أتمّ تجليات الرحمة الربانية.
لو جالسك أحد هؤلاء العائدين، وهو يدرك سلفًا أن خليلاً يصافي ودّه اليوم سيستحيل غدًا إلى طيفٍ عابر، أو أن علاقةً يظنها من المواثيق الغليظة ستتمزق أواصرها، فكيف سيُسيّر عجلة أيامه؟ وكيف سيتذوق حلاوة البدايات ووعيُه مثقلٌ بمرارة الانبتار؟ إن العقل الإنساني متى ما اخترقته معرفة النهايات قبل أوانها؛ فَقَدت الأشياء عفويتها، وتسمّم الانفعال الفطري، واستحال الحاضر النابض إلى محض رواق انتظار كئيب لمصائب الأيام.
وآخر قد يرمق والده وهو يعلم ميقات الوهن الذي سيغزو مفاصله، أو ينظر لمجلس عائلته وهو يرى شواغر الغائبين الموتى قبل رحيلهم. نعم، قد تستحثه هذه المعرفة لتعظيم اللحظة، لكنها ستُورثه في الآن ذاته حزناً استباقياً يغتال سكينته. سيضحك وفي الحلقوم شجا، وسيجالس أحبته كمن يمشي على حافة هاوية. وهنا يتجلى لنا أن الجهل بتفاصيل الغد هو ترميمٌ إلهي لبناء الحياة؛ لنحيا في ظلال النعم الراهنة دون أن نغتصّ بما ستؤول إليه في الغيابات القادمة.
وأما من عاين ذريته بعد عِقد، ورأى كيف نمت بذور الإهمال الصغير لتصبح غابات من الوحشة، أو كيف أثمرت الكلمة الحانية توازناً نفسياً عجيباً؛ فإنه سيعود أدراجه مسكوناً بـ رعبٍ تربوي، سيتحول كل تصرفٍ عفوي إلى عبء ثقيل، وسيربي أبناءه تحت وطأة الخوف المفرط لا تحت مظلة الوعي والتوكل.
وإذا اتسع الفرجار ليشمل المشهد العالمي بأسره؛ فتخيّل هؤلاء وقد أدركوا مآلات الاحتراب السياسي، والتشوهات الثقافية، والأزمات المادية التي ستعصف بالكوكب. سيمشون بين الناس بـ وعي مزدوج موحش؛ يبصرون هرولة الجماهير نحو مشاريع سرابية وهم يعلمون بوارها، ويشهدون هلع الجموع من قوارع ستمر برداً وسلاماً. وإن النفس البشرية أضعف من أن تطيق هذا الانكشاف المروّع، ما لم تُسند ظهرها إلى جدار صلب من عقيدة التسليم.
وإن الغوص في هذه التداعيات يُفضي بنا إلى أصل عقدي راسخ: إن الحجاب المضروب على المستقبل هو من أجلّ النعم الإلهية التي تُربى فيها نفس المؤمن.
وفي ميزان العبودية؛ استأثر الله بعلم الغيب ليمتحن فينا خضوع القلوب، ولنجيء إليه مفتقرين، نؤمن بالقضاء والقدر، حلوه ومره، موقنين أن خِيَرَة الله لنا أتمّ وأرحم من خِيَرتنا لأنفسنا القاصرة. هذا التفويض هو الركن الركين الذي ترسو عليه سفينة الإيمان.
وفي ميزان النفس؛ الإيمان بالقدر هو الملاذ الأخير للانعتاق من عذاب التوقع وسعير الاحتمالات. فالإنسان يطحن روحه حين يسعى لاحتكار المعرفة والسيطرة على مقادير الأمور؛ بينما السكينة الحقّة تتنزل حين يدرك العبد أن المطلوب منه هو إحسان السعي لا ضمان المآل. في هذه المساحة الحرة، تتنفس الروح، وتتخفف الكواهل من أعباء التدبير الفاسد، لأنها أسندت أمرها لـ "حكيم خبير" لا يجري في ملكه عبث.
لو قُدر لهؤلاء العائدين أن يوجزوا لنا رسالةً واحدة، لقالوا بلسان الحال والمقال: عيشوا بواجب الوقت، أحسنوا إلى من تعولون، رمّموا قلوبكم، وكُفّوا عن اللهاث خلف ما يبدد سكينة أرواحكم، ثم ألقوا بأحمالكم على عتبة التسليم.
كلما تشرّب القلب برد اليقين بالقدر، انعتق من فوضى المخاوف، ومضى في دروب الحياة كادحاً بلا فزع، ومُحباً بلا تعلقٍ مَرَضي، وراجياً بلا وهم؛ تظلّه غيمةٌ من السكينة، مردداً في طوايا نفسه: إن الذي دبّر غيابات الأمس، هو أرحم بي من مخاوف الغد المجهول.
والسلام على من سلم روحه لله.
_____________________________
الكاتب: علي آل حوّاء
