الذكر.. حين يضيق الصدر ويتسع الأمل

الذكر - عباد الله - ليس فقط كلمات تقال، بل ملجأ حين تضيق السبل، وسكينة حين تضطرب النفوس، ونور خفي يسري في القلب، فيعيد له طمأنينته ولو لم تتغير الظروف.

  • التصنيفات: الذكر والدعاء -

الحمد لله الذي لا تطمئن القلوب إلا بذكره، ولا يسكن القلق إلا في جواره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الذكر أنس الوحشة، وراحة المتعبين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، ما خاب قلب تعلق بهديه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فيا أيها المؤمنون:

تمر على القلوب أيام تثقل فيها الأنفاس، وتكثر فيها الهموم، ويشعر الإنسان أنه وحده... وهنا يأتي نداء السماء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41]، كأن الله يقول لك: لا تبقَ وحدك، أنا معك، اذكرني، أذكرك، اقترب، أفتح لك.

 

الذكر - عباد الله - ليس فقط كلمات تقال، بل ملجأ حين تضيق السبل، وسكينة حين تضطرب النفوس، ونور خفي يسري في القلب، فيعيد له طمأنينته ولو لم تتغير الظروف.

 

ثم يقول ربنا: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42]؛ أي: لا تتركوا يومكم يسرقكم من ربكم، ابدؤوه بالله، واختموه بالله، فما بين البداية والنهاية، تهون الأعباء، وتخف الأحمال.

 

التسبيح - عباد الله - أن تقول بقلبك قبل لسانك: يا رب، أنت الكامل، وأنا الضعيف، وأنت المدبر، وأنا المحتاج.

 

يا عباد الله، ما ثقل همٌّ على عبد وكان الله حاضرًا في قلبه، وما انكسرت نفس وكان لسانها رطبًا بذكر الله.

 

الله يذكرك وأنت تذكره، ويرعاك وأنت تمشي في تعبك، ويراك وأنت تجاهد ضعفك؛ {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}، من ظلمة الذنب إلى نور التوبة، ومن ظلمة الحيرة إلى نور اليقين، ومن ظلمة القلق إلى نور الرضا؛ {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}، رحيمًا حين تخطئون، رحيمًا حين تتعبون، رحيمًا حين تطول الطريق وتضعف القلوب.

 

ثم يختم الله هذا المشهد بوعد يسكن له القلب: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ}، سلام، بعد صبر، بعد بكاء، بعد جهاد طويل، {وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا}، أجرًا يُنسي تعب السنين، ويجبر كسر القلوب.

 

فيا عباد الله، لا تتركوا الذكر، فإنه الحبل إذا انقطعت الحبال، والنور إذا أظلمت الدروب.

 

اللهم يا من إذا ذُكرتَ سكنَت القلوب، وإذا ذكرت اطمأنت الأرواح، اللهم اجعل ذكرك أنسنا في وحدتنا، وقوتنا في ضعفنا، ورجاءنا عند شدتنا، اللهم أخرجنا من ظلمات أنفسنا، ومن ظلمات ذنوبنا، إلى نور عفوك ورضوانك، اللهم إنا نسألك سلامًا في قلوبنا، وسلامًا في بيوتنا، وسلامًا يوم نلقاك، اللهم لا تحرمنا لذة ذكرك، ولا غنى لنا عنك طرفة عين.

 

وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة.

_______________________________
الكاتب: عبدالله بن إبراهيم الحضريتي

المصدر: الألوكة