غنيمة الأشهر الحرم وأسرار ذي القعدة

إن لهذا الشهر فضلين عظيمين: الأول: أنه من أشهر الحج، ومَن ملَك الاستطاعة فليُبادر. والفضل الثاني لهذ الشهر هو فضل العُمرة فيه

  • التصنيفات: ملفات شهر ذي القعدة -

الحمد لله الذي يقول الحقَّ وهو يَهدي السبيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد:

فاتَّقوا الله أيها الأحبة في الله، واعلموا أن الرقيب عليكم هو الله، وأن الزاد إليه هو التقوى، واعلموا أن لله اختيارات وتفضيلات، فقد اصطفى من الناس خيارَهم، ومن الشهور أعظمها قدرًا وحُرمةً، وها أنتم في شهر ذي القعدة، وهو أحد الأشهر الحُرم الأربعة التي قال الله فيها: {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة: 36]، هذه الشهور التي يَعظُم فيها جُرمُ المعصية، كما يعظم فيها أجرُ الطاعة؛ كما قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "اختص الله أربعة أشهر جعلهنَّ حُرُمًا، وعظَّم حُرماتهنَّ، وجعل الذنب فيهنَّ أعظمَ، وجعل العمل الصالح والأجر أعظمَ"؛ (أخرجه الطبري في تفسيره).

 

تأمَّلوا - يا رعاكم الله - في سبب تسميته بـ"ذي القعدة"، فقد كانت العرب تَقعُد فيه عن الغزو والقتال، ليس عجزًا ولا خَورًا، وإنما تهيئةً للنفوس لحج بيت الله الحرام، فهل قعدنا نحن اليوم عن معاصينا؟ هل كفَفنا جوارحنا عن الحرام تعظيمًا لما عظَّم الله؟

 

أيها المسلمون، إن لهذا الشهر فضلين عظيمين: الأول: أنه من أشهر الحج التي قال الله فيها: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]، ومَن ملَك الاستطاعة فليُبادر، فإن الأمر على الفور لا التراخي؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تعجَّلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدَكم لا يدري ما يَعرِض له»؛ (أخرجه أحمد والبيهقي).

 

وإنها والله لصورةٌ مُحزنةٌ أن ترى في الناس اليوم مَن هو قادرٌ بماله، صحيح في بدنه، يَملِك رفاهية السفر للسياحة والنزهة شرقًا وغربًا، ثم يتقاعس عن حج بيت الله بحجة انتظار "السن الكبير"، أو "التفرغ"!

 

ألا يخشى هذا أن يَبغَتَه الموت وهو لم يؤدِّ ركنَ دينه؟ لقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - شديدًا في هذا، حين قال: "لقد هَممتُ أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كلَّ مَن كان له جدة (غنًى)، ولم يحج، فيَضربوا عليهم الجِزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين"؛ (أخرجه سعيد بن منصور في سننه).

 

والفضل الثاني لهذ الشهر هو فضل العُمرة فيه، فقد ثبت في "الصحيحين" من حديث أنس - رضي الله عنه - أن عُمُرَ النبي صلى الله عليه وسلم كلها كانت في ذي القعدة، عُمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجِعْرانة، وعُمرته التي مع حجَّته، وهذا له دلالة على شرف الطاعة في هذا الشهر.

 

فلاشك إن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الشهر الكريم لأداء عمراته المتكررة، لم يكن مَحضَ صدفة، بل هو إشارة نبوية لتعظيم ما عظَّم الله، وتنبيه للمؤمنين بأن أبواب الطاعات في الأشهر الحرم تُفتَح على مِصراعَيْها، وأن القُربات فيها لها وزنٌ ثقيل عند الله سبحانه.

 

وكيف لا يُعظِّم المؤمن هذا الشهر، وهو من جملة الأيام التي ذكرها الله تعالى بقوله: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 36].

 

فاحذروا - رحِمكم الله - مِن كَدَرِ المعاصي في شهر أوجَب الله فيه الكفَّ عن المظالم، واغتنموا شرف الزمان بالإكثار من الاستغفار، وذكر الواحد القهار، والسير على خطى المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم في تعظيم شعائر الله؛ فإن ذلك من تقوى القلوب.

 

 

يا مَن فتح الله لك أبواب الرزق، ويسَّر لك سُبل الوصول، بادِر قبل أن تُحاصَر بالموانع، لا تقل: "غدًا"؛ فلعل الغد يأتي وأنت رهينُ قبرك.

 

إن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، ومَن استطاع وقصَّر حتى مات، وجَب على ورثته أن يُخرجوا مِن تَرِكَتِه ما يُحَجُّ به عنه، لكن شتان بين من حجَّ بنفسه، فلبَّى وطاف وسعى، وبين مَن حُجَّ عنه بعد فوات الأوان!

 

عباد الله، اسْعَوا إلى مَرضاة ربكم؛ لئلا يَحجُبَ عنكم عونه ونعيمه، فإن {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل: 96].

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا على مَن أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

____________________________
الكاتب: الشيخ أحمد إبراهيم الجوني