المبادرة إلى أداء فريضة الحج
قال رسول الله ﷺ: «مَن أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يَمرَض المريض، وتَضل الراحلة، وتَعرِض الحاجة».
- التصنيفات: فقه الحج والعمرة -
الحمد لله ذي الفضل والإنعام، أنعَم على عباده بالنِّعم الجِسام، وأمرَهم بحج بيته الحرام، وأُصلي وأُسلِّم على سيد الأنام، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان، أما بعد:
فقد روى الإمام أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن أراد الحج فليتعجَّل، فإنه قد يَمرَض المريض، وتَضل الراحلة، وتَعرِض الحاجة».
وروى سعيد بن منصور في سننه والبيهقي عن الحسن قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لقد هَممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار، فينظروا كلَّ مَن كان له جِدةٌ ولم يَحُجَّ، فيَضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين».
دلت هذه الأحاديث على ضرورة المبادرة لأداء فريضة الحج، هذه العبادة التي هي من أفضل الطاعات، وأجلِّ العبادات.
وقد استدل بعض العلماء رحمهم الله بهذه الأحاديث وغيرها على وجوب الحج على الفورية، وأنه لا يجوز للمسلم إذا استطاع الحج، ولم يكن أدى فريضة الإسلام أن يتأخر، بل يجب عليه السعي إلى الحج وجوبًا، ولا يجوز له التأخير بدون عذرٍ.
كما تدل أيضًا على استحباب المبادرة إلى فعل الطاعات عمومًا، ولكن الحج بخصوصه؛ لأن الحج قد لا يتيسَّر لكل أحد، بخلاف العبادات الأخرى، سواء كانت بدنية: كالصلاة، والصيام، أو مالية: كالزكاة، والصدقات، ونحو ذلك.
فعليك أن تسارع إلى أداء هذه الفريضة، والعبادة الجليلة لما دلت عليه تلك النصوص، وعملًا بقوله عز وجل: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133].
وينبغي أن تَحذَر من أولئك الذي يُثبطون عن الطاعات، ويَصدون الناس عن سبل الخير، وعن الطريق الموصلة إلى الله، فإن الناس غالبهم على قسمين: قسم مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وقسم آخر هم مفاتيح للشر، مغاليق للخير، نعوذ بالله منهم.
فالذين يصدون عن سبيل الله، وعن طاعته، وامتثال أوامره، هم من القسم الذي هو مفاتيح للشر مغاليق للخير، فتجد كثيرًا منهم عندما يبدأ موسم الحج، يَبُثُّون دعايتهم ضد الحج إلى بيت الله الحرام، وكأنهم مأجورون على هذه الدعاية التي هي دعاية ضد الخير، وضد هذه العبادة التي أمر الله بها، وحث عليها رسوله صلى الله عليه وسلم.
إن الشيطان وأولاده وجنده الذين يتكلمون بألسنتهم فيما تُمليه عليهم أهواؤهم وشياطينهم، ويُخوِّفون الناس في أسفارهم وذَهابهم ومَجيئهم، ويقولون لهم بألسنتهم: الحاج كثير، والزحمة شديدة، وفي الأجل فُسحة في السنة القادمة أو التي بعدها، وهذا في الواقع تثبيط من الشيطان، ومن إرجافاته، وجَلْبه بِخَيْلِه ورَجِلِه، ونُوَّابه من الإنس، ولو تأملوا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]، وغيرها من الآيات - لعلِم الذين يستجيبون لهذه الإرجافات أن هذا من تسويل الشيطان وتسويفه، وإلا فالإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن بما وقَر في القلوب وصدقته الأعمال.
فالمؤمن عندما يسمع أو يقرأ قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، وقوله سبحانه: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ * ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} [الحج: 27 - 30]، عندما يتأمل المؤمن هذه الآيات الكريمات، يجد قلبه قد امتلأ شوقًا إلى هذا البيت العتيق، ورغبة في إجابة هذا النداء، فكأنه ينظر إلى الحجيج وقد أقبلوا إليه، كما وصفهم الله رجالًا وعلى كل ضامر يأتين من كل فجٍّ عميق، ويَتخيل تَوارُدَهم إلى المسجد الحرام، ملبِّين، مُهللين، مكبِّرين، يَعُجُّون إلى الله بأصواتهم: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك».
ويُحزنه أن يأتوا وفودًا إلى ربهم على هذه الحالة التي وصفت، وهو ليس معهم، قعدت به عن هذا المشهد العظيم إرجافات المرجفين، وتسويلات المغرضين، وتثبيط المنافقين.
فإذا كان يوم عرفة، ووقف الناس بذلك الموقف العظيم الذي يباهي الله به ملائكته: «يا ملائكتي، انظروا إلى عبادي، أَتوني شُعثًا غُبرًا، يطلبون مغفرتي، أُشهدكم أني قد غفرت لهم»، فإذا تذكر مَن فاته الحج بدون سبب مع قدرته، وتهيَّأت الأسباب له، اشتدَّت ندامته عند ذلك، وتحسَّر على ما فاته من ذلك الموقف الذي يرجع منه أقوامٌ قد أُعتقت رقابهم من النار، واستُجيبت دعواتهم، ورجعوا وقد خرجوا من ذنوبهم كيوم ولدتْهم أُمهاتهم.
روى الإمام البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حج فلم يرفُث ولم يفسُق، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمُّه».
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي العمل أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».
وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفَّارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
أيها المسلم، بادِر إلى الأعمال الصالحات، في وقت استطاعتك وقدرتك وصحتك وحياتك، فإنك لا تدري متى تفقد أحد هذه الأشياء، فإذا فقدت واحدًا منها، ندِمت على تفريطك، وتساهُلِك، وتسويفك، وكما تعلم أن النفس أمارة بالسوء، ويَصعُب عليها فعل الطاعات، فلابد من جهادٍ للنفس، وصبرٍ على الطاعة، ولذا قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
فمجاهدة النفس على طاعة الله، وعلى الصبر عن معاصي الله، سبب للهداية إلى أقوم السبل، إلى السبيل الموصلة إلى الله، وإلى مرضاته.
اللهم اهدِنا صراطَك المستقيم، واجعلنا من عبادك المحسنين.
_________________________
الكاتب: الشيخ محمد بن عبدالله السبيل
