ذو القعدة شهرُ إعداد
فيصل بن علي البعداني
دخل شهرُ ذي القعدة، أحدُ الأشهر الحُرم التي عظّمها الله، وجعل لها حرمةً خاصة؛ فتعظيمها يكون بتكثير الطاعة وتجويدها، وتوقّي المعصية.
- التصنيفات: ملفات شهر ذي القعدة -
دخل شهرُ ذي القعدة، أحدُ الأشهر الحُرم التي عظّمها الله، وجعل لها حرمةً خاصة؛ فتعظيمها يكون بتكثير الطاعة وتجويدها، وتوقّي المعصية.
فإنه إذا شرف الزمان، عظمت فيه الأعمال؛ فالحسنة فيه أعظم أجرًا، والسيئة أشد وزرًا وخطرًا.
غير أنّ هذا الشهر لا يُنظر إليه مجرد زمنٍ فاضل، بل هو مرحلة إعدادٍ لما بعده؛ فهو سابقٌ لعشر ذي الحجة، خير أيام الدنيا، ومن هنا كانت قيمته: أن يُهيِّئ العبد نفسه، ويوقظ قلبه، ويعيد ضبط سيره قبل موسم عظيم.
فالنفس لا تُقبل على الطاعة دفعةً واحدة، ولا تُحسن استثمار المواسم فجأة، بل تُدرَّب وتُعوَّد، وتُساق إليها رويدًا رويدًا، برفقٍ وتدرج.
ولذا فإن من أعظم الغبن أن يدخل العبد تلك الأيام المباركة، ولم يُعِدّ لها قلبه، ولم يهيئ لها نفسه.
وقد كان لهذا الشهر خصوصية في سيرة النبي ﷺ؛ إذ اعتمر أربع عمر بعد الهجرة، كلها في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته، وفي ذلك إشارة إلى أنه زمن عبادةٍ وقرب، لا زمن غفلة وانصراف.
وهو كذلك زمنٌ يخرج فيه الحجاج للنسك، وتتطلع فيه القلوب نحو البيت الحرام، وتتهيأ فيه النفوس للحج، فتتشوف إلى الطاعة، وتستعد للإنابة.
ومن هنا، فإن من حق النفس على صاحبها في هذا الشهر: ألا يظلمها بالمعصية، ولا يُثقلها بالغفلة، ولا يحرمها من أبواب الخير المفتوحة.
بل يحملها على التوبة، ويعوّدها على الطاعة وعمل البر، ويأخذ بيدها إلى ما ينفعها بين يدي ربها عز وجل.
فإن النفس إذا أُلِفت الخير سهل عليها، وإذا تُركت للهوى ثقلت عليها الطاعة؛ فالحسنة تنادي أختها، والسيئة تستدعي نظيرتها، والعبد ابن ما اعتاد.
ومن هنا، فإن الموفق من أدرك أن هذا الشهر موسم إعداد.
فيا عبد الله، أقبل فيه على الله، وجدد التوبة، وأكثر من العمل الصالح، وسل ربك الإخلاص والتوفيق والقبول؛ فإن من صلح حاله قبل الموسم أُعين فيه، ومن دخل عليه غافلًا خرج منه كما دخل.
اللهم وفقنا لمراضيك، وجنبنا مساخطك، وأعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، إنك برٌّ رحيم.
والله الهادي.
