تعرضوا لنفحات العشر واجتهدوا

أبو الهيثم محمد درويش

افْعَلوا الخَيْرَ دَهْرَكُمْ، و تَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ، يُصِيبُ بِها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ

  • التصنيفات: العشر من ذي الحجة -

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

لله تعالى نفحات يرحم بها عباده، والفائز من استثمرها والمغبون من غفل عنها.

عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : - «افْعَلوا الخَيْرَ دَهْرَكُمْ، و تَعَرَّضُوا لِنَفَحاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِهِ، يُصِيبُ بِها مَنْ يَشَاءُ من عبادِهِ، و سَلوا اللهَ أنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، و أنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ »

[خلاصة حكم المحدث : حسن الراوي : أنس بن مالك | المحدث : الألباني | المصدر : السلسلة الصحيحة الصفحة أو الرقم : 1890 التخريج : أخرجه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (701)، والطبراني (1/250) (723)، وأبو نعيم في ((حلية الأولياء)) (3/162)]

قال المناوي في "فيض القدير" (1 /541): قوله: ((وتعرَّضوا لنفحات رحمة الله)) أي: اسلكوا طرقها حتى تصير عادة وطبيعة وسجية، وتعاطوا أسبابها؛ رجاء أن يهب من رياح رحمته نفحة تسعدكم.

ومن تلك النفحات الأشهر الحرم وأخصها العشر من ذي الحجة ومعها أيام التشريق لما فيها من مضاعفة الأجور وقبول الدعاء ومغفرة الذنوب ومناسك الحج الكريمة.

إنها نفحات عشر كرام العمل الصالح فيها أحب إلى الله وأقرب من سائر أعمال العام، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يارسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء»   [رواه الترمذي]  ، وأصله في البخاري ، وفي حديث ابن عمر  «ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه من العمل فيهن من هذه العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد»   [رواه أحمد]  .

هذه الأيام المباركة فيها يوم عرفة الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث عائشة رضي الله عنها: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء ؟» [ رواه مسلم ، وهو يوم مغفرة الذنوب وصيامه يكفر سنتين] .

وفيها أيضاً يوم النحر الذي هو أعظم الأيام عند الله قال صلى الله عليه وسلم: «أعظم الأيام عند الله تعالى، يوم النحر، ثم يوم القرّ»   [رواه أبو داود] . ويوم القرّ: هو اليوم الذي يلي يوم النحر، أي اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، لأن الناس يستقرون فيه بمِنى بعد أن فرغوا من طواف الإفاضة والنحر واستراحوا..

وإنما حظيت عشر ذي الحجة بهذه المكانة والمنزلة لاجتماع أمهات العبادة فيها وهي: الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها.

من أهم الأعمال في هذه العشر المباركة :

1- التوبة النصوح والرجوع إلى الله، والتزام طاعته والبعد عن كل ما يخالف أمره ونهيه بشروط التوبة المعروفة عند أهل العلم، فقد أمر الله بها عباده المؤمنين فقال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} (النور:31)، ولا غناء للمؤمن عنها في جميع الأوقات والأزمان.

2- الحج إلى بيت الله الحرام، فمن المعلوم أن هذه الأيام توافق فريضة الحج، والحج من أعظم أعمال البر كما قال صلى الله عليه وسلم وقد سُئل أي العمل أفضل، قال: «إيمان بالله ورسوله، قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور» [متفق عليه] ، فينبغي للمسلم إن وجد سعة في ماله، وصحة في جسده أن يبادر بأداء هذه الفريضة العظيمة، لينال الأجر والثواب الجزيل، فهي خير ما يؤدّى في هذه الأيام المباركة.

3- المحافظة على الواجبات وأدائها على الوجه المطلوب شرعاً، وذلك بإحسانها وإتقانها وإتمامها، ومراعاة سننها وآدابها، وهي أولى ما يشتغل به العبد، قبل الاستكثار من النوافل والسنن، ففي الحديث القدسي عن أبي هريرة : «وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه....» [رواه البخاري]  .

4-  ينبغي للعبد أن يستكثر من النوافل والمستحبات، ويغتنم شرف الزمان، فيزيد مما كان يعمله في غير العشر، ويعمل ما لم يتيسر له عمله في غيرها، ويحرص على عمارة وقته بطاعة الله تعالى من صلاة، و قراءة القرآن، ودعاء وصدقة، وبر بالوالدين وصلة للأرحام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وإحسان إلى الناس، وأداء للحقوق، وغير ذلك من طرق الخير وأبوابه التي لا تنحصر.

5-  الإكثار من ذكر الله عموما ومن التكبير خصوصاً لقول الله تعالى:  {{ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}}  (الحج:28)، وجمهور العلماء على أن المقصود بالآية أيام العشر، وكما في حديث ابن عمر المتقدم (فأكثروا فيهنّ من التهليل والتكبير والتحميد) رواه أحمد .

ويسن إظهار التكبير المطلق من أول يوم من أيام ذي الحجة في المساجد والمنازل والطرقات والأسواق وغيرها، يجهر به الرجال، وتسر به النساء، إعلاناً بتعظيم الله تعالى، ويستمر إلى عصر آخر يوم من أيام التشريق، وهو من السنن المهجورة التي ينبغي إحياؤها في هذه الأيام، وقد ثبت أن ابن عمر و أبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

وأما التكبير الخاص المقيد بأدبار الصلوات المفروضة، فيبدأ من فجر يوم عرفة ويستمر حتى عصر آخر يوم من أيام التشريق لقوله تعالى:  {{واذكروا الله في أيام معدودات}}  (البقرة:203)، ولقوله عليه الصلاة والسلام: «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله» [رواه مسلم]  .

أما صيغ التكبير فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم صيغة معينة فيها، وإنما ثبت عن صحابته رضوان الله عليهم عدة صيغ منها:

الأولى: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً)، وهذه الصيغة ثابتة عن سلمان الفارسي رضي الله عنه، أخرجها البيهقي في السنن الكبرى وصحح الحافظ ابن حجر سندها.

الثانية: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ)، وهذه الصيغة ثابتة عن ابن مسعود رضي الله عنه، أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه.

الثالثة: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ وأجَلُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ)، وهذه الصيغة ثابتة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه.

فلنحرص على إحياء هذه السُّنَّة المباركة، بتطبيقها وحث الناس عليها، حتى ننال أجر الذكر والتكبير، وأجر إحياء سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

6- الصيام، وهو بالإضافة إلى أنه داخل في عموم العمل الصالح إلا أنه قد ورد فيه أدلة على جهة الخصوص فعن حفصة رضي الله عنها قالت: «أربع لم يكن يدعهن النبي صلى الله عليه وسلم: صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر، والركعتين قبل الغداة» رواه أبو داود وغيره، والمقصود صيام التسع، لأنه قد نُهِي عن صيام يوم العيد، قال الإمام النووي عن عشر ذي الحجة " صيامها مستحب استحباباً شديداً "

7- صوم يوم عرفة لغير الحاج، فقد ثبت عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال:  «يكفّر السنة الماضية والباقية» [ رواه مسلم]  .

ومن الأعمال أيضاً الأضحية وهي سنة مؤكدة في حق الموسر، بل إن من العلماء من قال بوجوبها وقد حافظ عليها النبي صلى الله عليه وسلم.