إدمانُ السهلِ وآفةُ الفتورِ العلمي

ليس كل ما يُقرأ يُنمّي العقل، ولا كل ما يمرّ بالعين يُغذّي القريحة؛ فإنّ في إدمان السهل من الكتب، والإقامة الطويلة بين التغريدات الخفيفة والمنشورات السريعة

  • التصنيفات: طلب العلم -

ليس كل ما يُقرأ يُنمّي العقل، ولا كل ما يمرّ بالعين يُغذّي القريحة؛ فإنّ في إدمان السهل من الكتب، والإقامة الطويلة بين التغريدات الخفيفة والمنشورات السريعة، ما يُرخِي عَصَبَ العقل، ويُعوِّده اللين بعد الشدّة، حتى إذا عُرِضت عليه المطوّلات، أو نُصِبَت له النصوص المتينة، تثاقل، ونبا عنها كما ينبو الغريب عن غير مألوفه.

وهكذا يُساق طالب العلم – وهو لا يشعر – إلى ضمورٍ خفيّ، لا في معلوماته، بل في قدرته على التحمّل، ومجالدته للنصوص الصعبة، وصبره على معالي العلم؛ لأنّ النفس إذا أُلِفت الخفيف، استثقلت الثقيل، وإذا أُطعِمت السهل، نفرت من العويص.

ومن هنا كان من فقه الطريق: أن يُمسك المرء عن بعض ما يُحب، وأن يُعرض عن فضولٍ يسرق عمره وإن بدا نافعًا؛ ومن جميل ما يُذكر  ما قاله الإمام الذهبي في المعجم المختص (٣٠٥) في ترجمة أبي بكر البعلبكي: «وأعرض عن أشياء من فضلات العلم».

فما أحوجنا إلى هذا الإعراض الواعي عن فضول العلم، حفظًا للياقة العقلية، وصيانةً لقوّة التحمّل، حتى يبقى العقلُ مشدودًا إلى معالي الأمور، قادرًا على اقتحام صعابها، غيرَ مأسورٍ لعادات السهولة ولذّاتها.

_______________________________________
الكاتب: قناة طلال الحسّان